الواحدة بعد منتصف الليل، ذلك التوقيت الهش الذي تتخفف فيه الحياة من ضجيجها وتتركني وحيدة أمام ذاكرتي، تظهر لي في ذكريات السناب شات صورة قديمة، فلاش باك للحظة عشتها واختزلتها في لقطة واحدة عام 2018 لجدي، ولم أكن أعلم حينها أن ما التقطته في ساعة بهجة عابرة سيعود إليّ بعد سنوات محمّلًا بثقل لا يُرى، بثقل الحنين حين يتحول الفرح إلى علامة فقد، وحين تصبح الصورة بابًا يُفتح على زمن لم يعد موجودًا إلا في القلب.
كنت أظنها مجرد صورة، ابتسامة مألوفة، ضوء نهار صافٍ، إحساس عادي بالأمان لا يلفت الانتباه ولا يثير الأسئلة، ولم يخطر ببالي أن بعض اللحظات لا تُلتقط لتُحفظ، بل لتُفهم متأخرًا، وأن الزمن لا يسلبنا أحبتنا فجأة، بل ينتزعهم بهدوء شديد، ويترك لنا أثرًا صغيرًا، صورة واحدة، كي نكتشف بعد فوات الأوان كم كانت حياتنا ممتلئة ونحن نظنها عادية، وكم كانت السعادة كاملة لدرجة أنها لم تعلن عن نفسها.
الآن، وأنا أحدّق في الصورة عند هذا التوقيت بالذات، لا أرى إطارًا ولا تاريخًا ولا ذكرى رقمية عابرة، أرى حياة كاملة مختبئة في نظرة، وصوتًا كان يملأ المكان طمأنينة دون جهد، ويدًا لم تكن تمسك بي فقط، بل كانت تمسك العالم من حولي كي لا يميل، فأدرك متأخرة أن الأمان لم يكن شعورًا داخليًا كما ظننت دائمًا، بل كان شخصًا حيًا يتنفس معنا، وحين غاب، تغيّر شكل الأيام، وتبدلت طريقة استقبالنا للحياة، وصار القلب أكثر حذرًا، وأكثر وعيًا بثقل الفقد.
أفهم الآن أن الفرح الحقيقي لا يطرق الأبواب ولا يرفع صوته، يأتي بسيطًا، عاديًا، متخفيًا في التفاصيل اليومية، حتى نظن أنه سيبقى إلى الأبد، ثم يرحل بصمت، ويترك للذاكرة مهمة قاسية، أن تعيدنا في منتصف الليل إلى لحظة لم نمنحها حقها من الامتنان، وأن تضعنا أمام أنفسنا ونحن نحاول التعايش مع فكرة أن بعض النعم لا نعرف شكلها الحقيقي إلا حين تصبح ذكرى.
جدي، ما زلت تعود إليّ في صورة، لكنك تسكنني كحقيقة لا تزول، تظهر فجأة بلا موعد، لتعلّمني أن بعض الغياب ليس فراغًا، بل امتلاء موجع بالحنين، وأن الذكريات حين تختار وقتها تفعل ذلك لأنها تعرف أن القلب في هذا التوقيت يكون أعزل تمامًا، بلا أقنعة ولا قدرة على النجاة، ومنذ رحيلك وأنا أمارس حزني كـ سرّ لا يحق لأحد أن يراه، أعود إلى فراشي ليلاً وكأنني أعود إلى مخبأ أخير، أطفئ الضوء على العالم وأشعله داخلي، أضغط وجعي في صدري كي لا يفيض، وأترك دموعي تسقط بصمت كأنها حديث لم يكتمل قوله لك، وكأن في كل دمعة حياة كان يجب أن تُعاش بوجودك ولم تفعل، أبكيك وحدي لأن فقدك أكبر من أن يُشارك، ولأن بعض الأحزان لا تبحث عن مواساة، بل عن ظلام كافٍ لتنهار فيه دون شهود، وما زلت حتى الآن، كلما هدأ كل شيء من حولي، أكتشف أن الليل لم يكن يومًا وقتًا للنوم، بل المكان الوحيد الذي أسمح فيه لغيابك أن يوجعني كما يستحق.

0 Comments