الاعتياد يسرق الدهشة



الساعة الحادية عشرة مساءً، ليس رقمًا عابرًا هذه المرة، بل لحظة ممتلئة بالمعنى، أجلس فيها بين سماء لا تُرى وحدود لا تُلمس، على متن طائرة متجهة من الأحساء إلى المدينة المنورة، وكأنني في مساحة بين زمنين، زمن تركته خلفي، وزمن أنتظر أن أصل إليه بعد قليل. قبل ذلك بساعات، كنت في صالة الانتظار، أجلس بين غرباء يجمعهم طريق واحد، أقرأ رواية البَتَل بهدوءٍ داخلي، بينما المكان من حولي يضجّ بالحركة، الحقائب تُسحب، والأصوات تتداخل، وأنا هناك، ثابتة، كأن الوقت انحنى قليلًا احترامًا للقراءة.

لم تكن قراءة عابرة، كانت غرقًا كاملًا، رواية لا تسمح لك أن تكون على الهامش، تسحبك إلى داخلها، تجعلك تركض مع بطلتها، تنتقل معها من مدينة إلى أخرى، تحمل خوفها وأسئلتها، وحين صعدت البطلة القطار، شعرت وكأنني أنا من انتقلت، وكأن السؤال لم يكن عنها بقدر ما كان عني، عن هذا الانتقال الصامت الذي أعيشه الآن دون أن ألتفت له.


حين صعدت الطائرة، حملت معي الرواية والفكرة معًا، ومع أول ساعة في السماء، أدركت أنني أقطع ألفًا ومئتي كيلومتر في ساعتين فقط، وأنا معلّقة في المكان الذي أحببته طويلًا من الأسفل، السماء التي كنت أرفع رأسي لها بلا سبب، أبحث فيها عن طمأنينة لا أعرف اسمها، وها أنا الآن أعبرها، لا أنظر إليها، بل أكون داخلها، بينما المسافة ذاتها تحتاج اثنتي عشرة ساعة إن قُطعت على الأرض، كأن السماء اختصرت عمرًا كاملًا من التعب دفعة واحدة.


توقفت عند هذه الفكرة طويلًا، عشر ساعات كاملة لم أضطر لعيشها على الطرقات، لم تُستهلك في إرهاق السفر، بل أُضيفت إلى رصيدي، ساعات سأقضيها بين أهلي، في أحاديث بسيطة، في ضحكات عادية، في لحظات لا تُصوَّر لكنها تُحفظ في القلب، وهنا تذكّرت ما قررت فعله مع بداية عام ٢٠٢٦، حين اخترت أن أعيش «١٠٠ يوم سعيد»، لم يكن المشروع أن أبحث عن السعادة، بل أن ألاحظها، أن أدرّب عيني على رؤية التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ دون انتباه.


منذ ذلك القرار تغيّر كل شيء ببطء، أصبحت أرى الوقت كنعمة، والمسافة كعطاء، والتيسير كرحمة لا كأمرٍ مُسلّم به، ومن هذه الزاوية فقط استطعت أن أدرك عظمة أن أقطع ألفًا ومئتي كيلومتر في ساعتين، دون عناء، دون خوف، دون أن أشعر بثقل الطريق، فكرة صغيرة لكنها فتحت بابًا واسعًا للتأمل، وجعلتني أكثر نَباهة للنِعم التي لم أكن ألقي لها بالًا.


تساءلت بهدوءٍ ثقيل: كيف يستطيع الإنسان أن يشكر الله على كل هذا؟ كيف نطلب المزيد ونحن نغرق في وفرة لم تكن لمن قبلنا؟ كان أغنى الأغنياء في زمنٍ مضى لا يعيشون ما نعيشه اليوم، لا سرعة الوصول، ولا راحة التنقّل، ولا هذا القرب المدهش بين المدن، بين الأمكنة، بين القلوب.


سخّر الله لنا الدنيا بما فيها، وقرّب البعيد، وسهّل الثقيل، لكن القلوب تعبت من كثرة الاعتياد، فلم تعد ترى المعجزة إلا حين تغيب، ولا تشعر بالنِعمة إلا حين تُسلب، فما بالنا نفعل ذلك؟ وكيف أصبح الامتنان شعورًا مؤجلًا، لا حاضرًا؟


أخذني التفكير بعيدًا، إلى يوم الحساب، إلى الوقوف بين يدي الله، إلى تلك اللحظة التي تُعرض فيها النِعم واحدة تلو الأخرى، بلا تبرير ولا اعتياد، فقط حقائق صافية، وإلى أعمارٍ كاملة قد لا تكفي لشكر نعمة واحدة، فكيف بكل هذا الفيض الذي نعيشه كل يوم دون أن نتوقف؟


انتهى بي التأمل إلى دعاء خرج من أعماقي بلا ترتيب ولا تزيين، لكنه كان الأصدق:

يا رب، اغفر لنا تقصيرنا، وعلّم قلوبنا أن ترى نعمك قبل أن تعتادها، وأن تشكرك كما يليق بعظيم كرمك. 

0 Comments