ذاكرة على الهامش




كنتُ فرِحة باقتنائي لرواية هايدي، فرحًا يشبه الاطمئنان الصغير الذي يسبق العاصفة دون أن ندري، اخترتُها لتكون ثاني كتاب لهذا العام، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لأنني كنت أبحث عن روايةٍ لطيفة، خفيفة، تشبه الاستراحة، ملجأً ألوذ به من ثقل الأيام وتراكم الشعور ، ظننتُ أنني أعرف ما أنتظره، طفلة، جبال، بساطة، ودفء ، لم أكن أعلم أن السحر أحيانًا لا يهدّئ، بل يوقظ، وأن ما نختاره ليكون عكازًا قد يتحوّل فجأة إلى مرآة.


لم أكن أعلم أن من سعيتُ إليه ليواسيني سيقودني مباشرة إلى جرحٍ قديم، جرحٍ أقنعتُ نفسي طويلًا أنه التأم، وأنني تجاوزته، وأن الحديث عنه لم يعد يؤلمني ، كنت أقول ذلك بثقة، وأصدّق نفسي، إلى أن جاءت هايدي، تلك الطفلة الصغيرة مع جدها، لتفتح بابًا أغلقته منذ زمن ، لم تفعل ذلك بعنف، بل بهدوءٍ أشد إيلامًا ، كل كلمةٍ منها كانت تقترب بخفة، تلمس موضع الألم بدقةٍ مقلقة، وكأن النص يعرف الطريق إلى قلبي أكثر مما أعرفه أنا.

كنت أقرأ ببطء، لا لأن اللغة صعبة، بل لأن الشعور ثقيل ، لم أستطع إنهاء سوى مئة وخمسون صفحة فقط، لا عجزًا عن المتابعة، بل لأن ثقل ما أُثير داخلي كان يمضي معي صفحةً صفحة، يجلس بجانبي، يرافقني، ويطالبني بالإنصات.
أدركت أن بعض الكتب لا تُقرأ دفعة واحدة، لأنها لا تمر مرورًا عابرًا، بل تمكث، وتطلب منك أن تتوقف، أن تشعر، أن تتنفس، وربما أن تتألم قليلًا.

وأنا أقرأ، لم أكن في عالم الرواية فقط، كنت أعود إلى بيتنا ، إلى تلك اللحظات البسيطة التي لم نكن نعرف أنها كنوز ، إلى جلوسنا أمام التلفاز بعد عودتنا من المدرسة، نتابع هايدي بعيونٍ صغيرة وقلوبٍ لم تعرف الفقد بعد ، اشتقت لذلك الشعور البريء، لذلك الوقت الذي كان فيه كل شيء يبدو دائمًا.

اشتقت لرائحة الكيك وهي تملأ المنزل عصرًا، تلك الرائحة التي لا تحمل طعم السكر فقط، بل طعم الأمان ، اشتقت للأصوات، للضحكات العابرة، للتفاصيل التي لا تعود.
ثم جاء جدي في الذاكرة، كما لو أن الرواية استدعته عمدًا ، اشتقت للنزهات التي كنا نذهب فيها معًا، للطريق، للأحاديث البسيطة، للصمت المريح ، لم يكن جدي عاديًا أبدًا، كان واحدًا من أولئك الذين يصنعون معك ألف ذكرى لا تتكرر، ولا تُنسى مهما مرّ الزمن ، كان حضورًا، وكان ظلًا، وكان وطنًا صغيرًا ، وأنا أقرأ، أدركت أن الحنين ليس ضعفًا، بل وفاء متأخر لكل ما أحببناه بصدق.
الآن، أجلس على مكتبي في الرابعة فجرًا، والمدينة نائمة، وكل شيء من حولي ساكن، إلا هذا الشعور الذي لم يهدأ ، أكتب لأن الكتاب لم يكتفِ بما فعله داخلي، ولأن الكلمات صارت ضرورة لا ترفًا. أكتب لأفهم، لأخفف، ولأعترف بأن هايدي لم تكن الرواية اللطيفة التي ظننتها، بل كانت زيارة غير متوقعة لطفولتي، وامتحانًا صامتًا لقلبٍ كان يظن نفسه متماسكًا.



أدركت أن بعض الجروح لا تُشفى، نحن فقط نتعلم كيف نعيش دون أن نلمسها كثيرًا، إلى أن يأتي كتاب، أو ذكرى، أو مشهد بسيط، فيعيدنا إلى نقطة البداية.
ومع ذلك، أنا ممتنة. ممتنة لأنني شعرت، ولأنني تذكّرت، ولأن هذا الوجع كان صادقًا ، فربما يكون الحنين، رغم قسوته، دليلًا خفيًا على أننا عشنا حقًا، وأن ما مضى كان جميلًا بما يكفي ليؤلمنا الآن.

0 Comments