الجهة الأخرى منّي


 الكثير يمر في رأسي، ولا أعلم من أين أبدأ، ولا كيف أكتب، ولا حتى لماذا أكتب أصلًا، أشعر أن هناك أكوامًا من الكلمات مكدسة بداخلي، كلمات كثيرة جدًا، أكثر مما أستطيع حمله، تود أن تخرج وكأنها ظلت سنوات تضرب جدراني من الداخل بحثًا عن منفذ، لكن لا قدرة لي على إخراجها، لا قدرة لي على الكتابة ولا على الكلام ولا حتى على أن أشرحها لنفسي، أشعر أنها تريد أن تتحرر، وكأنها محبوسة بداخلي منذ أعوام، وكأنها تحمل ذلك التمرد الذي طالما شعرت به يتفجر داخلي ثم أعود فأدفنه، وأنا أيضًا أريد تحريرها، أريد أن أتركها تخرج، لكنني في كل مرة أحاول أنهزم، يتملكني الخمول أو شيء يشبه الخوف، لكنه ليس خوفًا بالمعنى الحقيقي، لست خائفة، ولو كان الخوف صريحًا لربما استطعت فهمه، لربما استطعت أن أسميه وأعرف من أين جاء، لكنه لم يكن خوفًا أبدًا، كان شيئًا آخر، شيئًا أقوى من الخوف وأشد غموضًا منه، شيء يمسكني كلما اقتربت من نفسي ويعيدني إلى مكاني وكأن هناك يدًا خفية تقول لي لا تفتحي هذا الباب، أتذكر ذات مرة كنت أحدث صديقتي فقلت لها إنني أخشى أن أفعل ذلك، أن أترك كل شيء يخرج، أن أنهار، أن تتبخر هذه الهيئة التي اعتدت أن أظهر بها، قناع القوة، قناع أنا بخير، قناع كل الأمور على ما يرام، لكنها لم تكن يومًا على ما يرام، ولم أكن أنا أيضًا على ما يرام، كانت هناك مواقف كثيرة أردت فيها أن أبكي ولم أبكِ، ومواقف كثيرة أردت فيها أن أقول لا ولم أقل، أن أرفض، أن أتكلم، أن أصيح، أن أعترض، أن أقاوم، أن أقول إن هذا يؤلمني، لكنني لم أفعل، كنت أبتلع كل شيء وأمضي، وكأنني أملك قدرة غريبة على أن أضع كل شيء في مكانه بعد أن ينكسر بداخلي ثم أخرج للناس وكأن شيئًا لم يحدث، وأشعر أن ما بداخلي ليس شيئًا واحدًا ولا اثنين ولا عشرة ولا عشرين، بل أكثر بكثير من ذلك، ثلاثون عامًا من الأشياء التي لم أقلها، ثلاثون عامًا من المشاعر المؤجلة والدموع المؤجلة والرفض المؤجل والغضب الذي لم يجد طريقه إلى الخارج، وأحيانًا أفكر منذ متى وأنا أفعل هذا، ثم أتذكر أنني كنت في الثامنة، منذ الثامنة وهي تتكدس بداخلي شيئًا فشيئًا، موقف فوق موقف، شعور فوق شعور، صمت فوق صمت، حتى أصبحت الآن لا أعرف أين ينتهي موقف قديم وأبدأ أنا، وأتساءل أحيانًا ماذا لو تحررت ذات يوم، ماذا لو جاءت تلك اللحظة التي لا أعود فيها مضطرة إلى حمل كل هذا، ماذا لو استطعت ولو لمرة واحدة أن أهرب من كل ما ظل يسكنني، هل سأشعر بالخفة أم أنني سأكتشف أنني اعتدت ثقل كل هذا إلى درجة أنني لم أعد أعرف نفسي بدونه؟ دائمًا كنت أرتب محيطي، أشعر براحة غريبة حين يكون كل شيء حولي مرتبًا وفي مكانه وواضحًا، أرتب الأشياء وأغيرها وأتخلص مما لا أحتاجه وأعيد كل شيء إلى مكانه الصحيح، لكن بداخلي رغبة ملحة جدًا أن أفعل الشيء نفسه، أن أفتح كل الأدراج المغلقة، أن أخرج كل الأشياء التي خبأتها في الزوايا، أن أنظر إليها واحدة واحدة وأقول هذا حزني، وهذا غضبي، وهذا الشيء الذي لم أستطع رفضه، وهذا الشيء الذي سامحت عليه وأنا لم أسامح، وهذه أنا التي تظاهرت بأنها بخير وهي لم تكن كذلك، وربما لهذا أنا مهووسة دائمًا بفكرة التنظيم، ترتيب المكان وترتيب الحياة وتغيير الأشياء والبداية من جديد، كأنني أحاول أن أفعل في الخارج ما لا أستطيع فعله في الداخل، وأنا لا أريد التغيير لأنني أبحث عن حياة مثالية ولا لأنني أريد أهدافًا أكبر أو حياة مختلفة لمجرد الاختلاف، أنا أريد التغيير لأنني منذ أعوام أشعر أن هناك حياة أخرى بداخلي، حياة أعرفها، أعرف ما أحتاجه وأعرف بطريقة ما الطريق الذي يمكن أن أصل به إليها، أعرف كيف أبدأ، لكنني لا أفعل، وهذه ربما أكثر الأشياء التي تحيرني في نفسي، أنني أعرف، أعرف كيف أتحرر وأعرف كيف أسجن نفسي، أعرف كيف أفوز وأعرف تمامًا كيف أخسر، أعرف ما الذي يؤذيني وأعرف ما الذي ينقذني، ومع ذلك أبقى عالقة بين المعرفة والفعل، كأن جسدي نفسه يحاربني، إذا أردت الذهاب منعني، وإذا أردت أن أبدأ أثقلني، وإذا أردت أن أصلح شيئًا جعلني عاجزة حتى عن الاقتراب منه، وكأنه حبسني معه، لا أعرف لماذا ولا أعرف كيف ولا أعرف إلى أين، كل ما أعرفه أنني لا أعيش الحياة التي أشعر أنني أستحقها، وليس لأن أحدًا ظلمني، وليس لأن الحياة لم تعطِني ما أريد، ولا لأنني أريد أهدافًا أكبر أو حياة مختلفة، ربما الظلم الوحيد الذي حدث لي أنني كنت أنا من يظلم نفسي، أنا من أحارب نفسي، أنا القاضي وأنا السجين، أنا الظالم وأنا المظلوم، أنا من يفتح الباب وأنا من يغلقه، أنا من يعرف الطريق إلى النجاة وأنا من يختار أن يبقى في الزنزانة، وهذا أكثر ما يؤلمني، أنني لا أستطيع أن ألقي اللوم على أحد، لأنني أنا، أنا كلهم، وأحيانًا أفكر أن أهلي لم يفهموا تمامًا لماذا لا أؤمن بالمنتصف، يسألونني دائمًا ألا تؤمنين بالرمادي؟ عيشي في الرماديات، لا تكوني دائمًا بين نعم ولا، بين أوافق ولا أوافق، بين أبيض وأسود، لكن المفارقة أنني في داخلي أصلًا غارقة في الرمادي، غارقة فيه إلى درجة أنني أعيش داخلي عكس ما أعيش خارجيًا تمامًا، خارجي يبدو واضحًا ومرتبًا ومتماسكًا، أما داخلي فليس كذلك، داخلي مزدحم ومتعب ومؤجل وممتلئ بأشياء لم تجد طريقها إلى الضوء، ولهذا ربما كلما حاولت أن أكتب لا أعرف من أين أبدأ، لأنني لا أملك قصة واحدة لأحكيها، لدي سنوات، لدي طفلة في الثامنة ما زالت تنتظر أن أسمعها، ولدي امرأة في الثالثة والثلاثين ما زالت تحاول أن تبدو بخير، وبينهما أنا، لا أعرف أيهما أنا ولا أعرف أيهما أريد أن أنقذ أولًا، كل ما أعرفه الآن وأقوله للمرة الأولى بهذا الوضوح أنني لست أنا كما أنا، وربما الكتابة التي أخاف منها ليست هي التي ستسقط القناع، ربما هي التي ستسمح لي للمرة الأولى أن أعرف من تكون المرأة التي كانت تحته طوال هذه السنوات.

1 Comments

  1. استمري في الكتابة، فالكتابة سحرٌ من نوعٍ آخر، ولعلّ ما خفي عنكِ اليوم تكشفه لكِ الكلمات يوماً ما.

    وجدتُ مدونتكِ بمحض الصدفة، ووجدتُ بين سطورها روحاً جميلة، وبعثرةً خلّاقة، ومشاعر تحاول أن تجد لنفسها مكاناً وسط زحام الحياة. ولعلّ أجمل ما في الكتابة أنها تمنح فوضانا معنى، وتُعلّمنا كيف نُصغي لما يعجز القلب عن قوله.

    ثمة جمالٌ خفيّ في الفوضى، ومتعةٌ لا تشبه شيئاً في محاولة ترتيب ما تعثّر في دواخلنا. ولا بأس إن بقيت بعض الأمور مبعثرة، أو استعصت بعض الأسئلة على الإجابة؛ فليس علينا أن نفهم كل شيء دفعةً واحدة، ولا أن نجد لكل بابٍ مفتاحاً قبل أوانه.

    ثقي أن يوماً ما ستصبح بين يديكِ مفاتيح الأبواب التي حيّرتكِ طويلاً، وستنظرين إلى ما وراءها بعينٍ أكثر طمأنينة، وربما تكتشفين أن بعض تلك الفوضى لم تكن عبثاً، بل كانت طريقاً خفياً لفهم نفسكِ والحياة.

    وحتى يحين ذلك اليوم، اكتبي، ودعي الكلمات تأخذ بيدكِ كلما ضاقت بكِ المساحات؛ فبعض ما نعجز عن ترتيبه في أرواحنا، تُرتّبه الكتابة برفق، وبعض ما نظنه ضائعاً فينا، تعيده إلينا سطورٌ نكتبها دون أن ندري.

    نراكِ على خير، واستمري في الكتابة، فلربما ظهر المخفي يوماً ما، ولربما وجدتِ بين سطوركِ ما كنتِ تبحثين عنه خارجها.

    تحياتي،
    أ.ش

    ردحذف