عن معجزة الصباح، والعادات الصغيرة، والأشياء التي نؤجلها حتى نجد أنفسنا نؤجلها إلى الأبد
من فترة وأنا أفكر في علاقتنا بالوقت، وفي الأشياء الكثيرة اللي نتمنى نسويها لأنفسنا، لكننا بطريقة ما نتركها دائمًا إلى وقت لاحق، نبي نقرأ أكثر، ونكتب، ونتعلم، ونهتم بصحتنا، ونرجع لهوايات اشتقنا لها، ونشتغل على أحلامنا المؤجلة، لكن أيامنا تمضي بين مسؤوليات العمل والحياة، ونصل إلى نهايتها ونحن بالكاد نملك طاقة تكفينا لإنجاز شيء إضافي
والغريب أننا غالبًا ما نعتبر هذا التأجيل مشكلة في انضباطنا، أو نلوم أنفسنا على قلة الإنجاز، مع أن جزءًا من المشكلة قد يكون في الوقت الذي اخترناه للإنجاز أصلًا!
تخيّل أنك تكتب قائمة مهامك في الصباح، وتضع فيها كل الأشياء التي تهمك، ثم تقرر أن تنجزها بعد انتهاء دوامك، تعود إلى المنزل وقد استهلك يومك معظم طاقتك، فتنظر إلى القائمة وكأنها قائمة مهام لشخص آخر يملك يومًا أطول منك وطاقة لا تنفد! تؤجل القراءة، وتترك الكتابة، وتؤجل مشروعك الشخصي إلى الغد، ثم يتكرر الأمر حتى تصبح بعض الأشياء التي تحبها مجرد أمنيات مؤجلة
وهنا جاءت الفكرة التي شدتني في كتاب «معجزة الصباح» لهال إلرود
ماذا لو بدأنا بأنفسنا قبل أن يبدأ يومنا؟
يقترح الكاتب أن نستيقظ قبل موعدنا المعتاد بساعة واحدة، ونستثمر هذه الساعة في تطوير أنفسنا والعمل على أهدافنا، بدلًا من ترك كل شيء إلى نهاية اليوم
الفكرة في نظري ليست أن نستيقظ مبكرًا لمجرد الاستيقاظ، ولا أن نملأ ساعاتنا بمزيد من المهام حتى نصبح أكثر انشغالًا، بل أن نعيد ترتيب أولوياتنا، ونعطي الأشياء المهمة في حياتنا وقتًا حقيقيًا، قبل أن تستحوذ بقية الالتزامات على يومنا
ساعة واحدة قد تبدو وقتًا بسيطًا، لكنها تعني خمس ساعات أسبوعيًا إذا خصصناها خمسة أيام، وعشرين ساعة تقريبًا خلال أربعة أسابيع، عشرون ساعة يمكن أن نقرأ فيها كتابًا أو أكثر، ونكتب صفحات كثيرة، ونتعلم مهارة جديدة، ونمارس نشاطًا بدنيًا، أو نبدأ مشروعًا ظللنا نؤجله لأننا لم نجد له وقتًا مناسبًا
وهذا ما يجعل الفكرة تستحق التجربة؛ لأنها لا تطلب منا انتظار الظروف المثالية، بل أن نصنع مساحة صغيرة داخل ظروفنا الحالية
ست ممارسات اقترحها الكاتب
يقوم روتين معجزة الصباح على ست ممارسات يسهل تكييفها مع احتياجاتنا
* الصمت: دقائق من التأمل أو الدعاء أو التنفس بهدوء، قبل أن يبدأ ضجيج اليوم
* التوكيدات: تذكير أنفسنا بما نؤمن به، وبالأهداف التي نعمل من أجلها
* التخيّل: أن نتصور الخطوات التي نريد اتخاذها، والعقبات التي قد تواجهنا، وكيف سنتعامل معها
* الحركة: أن نمنح أجسادنا بعض النشاط الذي يناسبنا
* القراءة: أن نضيف إلى عقولنا فكرة جديدة كل يوم
* الكتابة: أن ندوّن أفكارنا ومشاعرنا، أو نخطط ليومنا، أو نكتب ما نريد ألا ننساه من أنفسنا
هذه الممارسات ليست قائمة إلزامية يجب أن ننجزها بصورة مثالية، بل أدوات نستطيع أن نختار منها ونوزعها على الساعة بحسب احتياجاتنا، المهم أن تصبح هذه الساعة مساحة نبني فيها أنفسنا، لا قائمة جديدة نرهق أنفسنا بها
وما علاقة هذا بكتب أخرى أحبها؟
أثناء التفكير في التجربة، وجدت أن الفكرة تلتقي مع أفكار قرأتها أو رغبت في استكشافها في كتب أخرى
في كتاب «العادات الذرية» لجيمس كلير، نجد فكرة مهمة: التغيير الكبير لا يحتاج دائمًا إلى خطوة كبيرة، بل يمكن أن يبدأ بسلوك صغير نكرره حتى يصبح جزءًا من حياتنا، والأجمل أن العادات لا تتعلق فقط بما نريد تحقيقه، بل بالشخص الذي نريد أن نصبحه، حين أخصص وقتًا للقراءة كل صباح، فأنا لا أقرأ صفحات فحسب؛ أنا أدرّب نفسي على أن أكون قارئة تمنح المعرفة مكانًا ثابتًا في يومها، وحين أكتب باستمرار، فأنا لا أجمع الكلمات فقط، بل أحافظ على علاقتي بالكتابة
أما جوليا كاميرون، في كتابها «طريق الفنان»، فتقترح ممارسة صفحات الصباح؛ وهي الكتابة اليومية الحرة التي ندوّن فيها ما يدور في أذهاننا دون انشغال بصياغة جميلة أو نتيجة نهائية، تعجبني هذه الفكرة لأنها تمنح الكتابة وظيفة تتجاوز إنتاج النصوص: أن تكون مساحة نسمع فيها أنفسنا، ونلاحظ أفكارنا، ونفسح مجالًا لما قد يختبئ تحت انشغالاتنا اليومية
وفي كتاب «نادي الخامسة صباحًا» لروبن شارما، نجد بدوره اهتمامًا باستثمار الساعة الأولى من اليوم، من خلال تقسيمها إلى الحركة والتأمل والتعلّم، وعلى الرغم من اختلاف تفاصيله عن معجزة الصباح، فإن الكتابين يلتقيان عند فكرة أن البداية الواعية لليوم يمكن أن تمنحنا مساحة للنمو قبل أن تبدأ المطالب الخارجية في التزاحم
ما أجده مشتركًا بين هذه الأفكار ليس أن علينا جميعًا الاستيقاظ في ساعة محددة، أو اتباع روتين واحد، بل أن الأشياء التي نريد أن تنمو في حياتنا تحتاج إلى وقت نمنحها إياه باستمرار، لا يمكن أن ننتظر أن تصبح القراءة عادة ونحن لا نفتح كتابًا إلا حين يتبقى لدينا وقت، ولا أن ننتظر عودة شغف الكتابة ونحن لا نترك لها أي مساحة في أيامنا
تجربتي مع الاستيقاظ المبكر
أنا سبق وجربت هذه الفكرة، وكانت نتائجها بالنسبة لي رائعة فعلًا
كنت أستيقظ مبكرًا، وأنجز أشياء كثيرة قبل أن يبدأ يومي المعتاد، وأتذكر شعوري وقتها وكأنني أملك يومًا إضافيًا فوق يومي، لم يكن الأمر أن عدد ساعات اليوم قد زاد، بل أنني استخدمت جزءًا منه قبل أن تتوزع طاقتي على مسؤولياتي وانشغالاتي
كان عندي وقت لنفسي، ووقت لإنجاز الأشياء التي تهمني، والأهم أنني لم أكن مضطرة إلى انتظار نهاية اليوم حتى أبدأ بها
لكنني مع الوقت عدت إلى عادتي السابقة؛ كنت أستيقظ لصلاة الفجر ثم أعود للنوم ساعة، حتى في أيام الدوام، والآن قررت أن أغيّر هذا الجزء من روتيني، وأن أبدأ بعد الصلاة ساعتي الخاصة، بدلًا من العودة للنوم خلالها
أريد أن أوضح أنني لا أتعامل مع النوم باعتباره وقتًا ضائعًا، ولا أريد أن يكون تطوير الذات على حساب راحتي، سأحتاج إلى ترتيب موعد نومي حتى أحصل على كفايتي من الراحة، ما أريد تغييره هو طريقة استثماري للساعة التي اعتدت العودة فيها إلى النوم، لا أن أستنزف نفسي بساعات نوم أقل
ولهذا قررت أن أبدأ تحدّي الثلاثين يومًا الذي يقترحه الكتاب، لكن هذه المرة بجدية ووعي أكبر
كيف سأطبّق التحدّي؟
لا أريد أن أبدأ بحماس كبير يجعلني أضع قائمة طويلة، ثم أشعر بالإحباط إذا لم أستطع إنجازها كاملة، أريد أن أجعل التجربة واقعية، وقابلة للاستمرار، ومناسبة لأيام الدوام والأيام التي أكون فيها أقل طاقة
هذه بعض الخطوات التي سأعتمد عليها
أولًا: سأحدد مهامي قبل النوم
بدلًا من الاستيقاظ والتفكير طويلًا فيما ينبغي أن أفعله، سأكتب في الليلة السابقة المهام التي أريد إنجازها في ساعتي، سأختار أشياء محددة، لا عناوين واسعة مثل «أقرأ» أو «أكتب»، بل أشياء أستطيع البدء بها مباشرة، مثل قراءة عشر صفحات، أو الكتابة لمدة عشر دقائق، أو إنجاز جزء من مشروع مؤجل
ثانيًا: سأقسم الساعة بحسب احتياجي
قد أخصص عشر دقائق للهدوء والتأمل، وعشرين دقيقة للقراءة أو الكتابة، وعشرين دقيقة للحركة أو التعلّم، والعشر دقائق الأخيرة للتخطيط أو إنجاز مهمة صغيرة، وقد أغيّر هذا التقسيم في بعض الأيام، ليست الغاية الالتزام بتوزيع مثالي، بل الاستفادة من الساعة فيما يخدم أهدافي
ثالثًا: سأجهز كل شيء مسبقًا
سأضع الكتاب والدفتر والقلم في المكان الذي سأجلس فيه، وأبتعد عن الهاتف قدر الإمكان، أريد أن أستيقظ وأبدأ، لا أن أستهلك جزءًا من ساعتي في البحث عن الأشياء أو تصفح التطبيقات
رابعًا: سأجعل الالتزام أهم من الكمال
إذا لم أستطع إنجاز كل ما كتبته، سأكتفي بما استطعت فعله وأعود في اليوم التالي، لن أعتبر تعثر يوم واحد دليلًا على فشل التجربة، ولن أحوّل الساعة التي يفترض أن تخفف ازدحام حياتي إلى مصدر جديد للشعور بالتقصير
خامسًا: سأتابع أثر التجربة، لا عدد المهام فقط
في نهاية كل أسبوع، سأكتب ما الذي أنجزته، وما الذي تغيّر في شعوري تجاه يومي، وهل أصبحت أكثر قربًا من الأشياء التي أحبها؟ لأن الإنجاز مهم، لكن من المهم أيضًا أن أشعر بأنني أعيش حياتي بوعي أكبر، لا أنني أملأها بمزيد من الواجبات
لماذا ثلاثون يومًا؟
سأمضي مع اقتراح الكاتب في التجربة لمدة ثلاثون يومًا ، أحب فكرة أن أمنح نفسي مدة محددة أجرب فيها شيئًا بدلًا من الاكتفاء بالإعجاب به
ثلاثون يومًا تمنحني فرصة لملاحظة ما يناسبني، وما يحتاج إلى تعديل، وما إذا كانت هذه الساعة ستصبح مساحة ثابتة في يومي، لن أتعامل معها باعتبارها مدة سحرية تتغير بعدها حياتي بالكامل، بل بداية لتجربة أريد أن أتعلم منها
أريد أن أختبر كيف سيكون شعوري حين أنجز بعض مهامي قبل الدوام، وحين أعود إلى الكتابة دون أن أنتظر الإلهام، وحين أقرأ لأنني خصصت للقراءة وقتًا، لا لأنني صادفت ساعة فارغة
وأريد أن أرى كم من الأشياء التي كنت أؤجلها يمكن أن تجد طريقها إلى حياتي حين أتوقف عن تركها لآخر اليوم
ربما لا نحتاج إلى يوم إضافي، بل إلى بداية مختلفة
أحيانًا نظن أن المشكلة في قلة الوقت، بينما تكون المشكلة أننا نمنح الوقت المتاح لكل شيء إلا أنفسنا، نمنح العمل ساعاتنا الأكثر نشاطًا، ونمنح الالتزامات ما تبقى من يومنا، ثم نطلب من أنفسنا أن تحقق أحلامها في الدقائق التي لا نملك فيها طاقة كافية
ولا يعني هذا أن مسؤولياتنا ليست مهمة، أو أننا نستطيع التحكم في كل تفاصيل يومنا؛ فهناك أيام تفرض علينا ظروفها، وأيام لا تسير كما خططنا لها، لكن ربما نستطيع أن نغيّر شيئًا واحدًا: أن نتوقف عن التعامل مع أهدافنا الشخصية باعتبارها أشياء يمكننا فعلها إذا تبقى وقت
أن نمنحها موعدًا واضحًا، ومكانًا ثابتًا، وخطوة صغيرة نستطيع تكرارها
أفكر في كل الأشياء التي يمكن أن تتغير خلال عام إذا خصصنا لها ساعة يومية، ليس لأن كل ساعة ستكون مثالية، ولا لأننا سننجز كل ما نخطط له، بل لأن الاستمرار يمنح الأشياء الصغيرة فرصة لتتراكم وتثمر
كتاب نقرأه، وفكرة نتعلمها، وصفحة نكتبها، ومشي قصير، ودقائق نقضيها مع أنفسنا دون ضجيج، أشياء قد تبدو عادية في يومها، لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا حين تصبح جزءًا من حياتنا
وقد تذكرت هنا الحديث الذي أحب معناه: «اللهم بارك لأمتي في بكورها»، يجعلني ذلك أفكر في قيمة البدايات المبكرة، وفي كيف يمكن أن يكون الصباح مساحة مباركة نستثمرها فيما ينفعنا، لا مجرد وقت نمر به قبل أن تبدأ بقية مسؤولياتنا
غدًا سأبدأ تجربتي بجدية، بعد أن بدأت أهيئ نفسي لها اليوم، كتبت قائمة المهام التي أريد إنجازها في هذه الساعة، وسأحاول أن ألتزم بها خلال الثلاثين يومًا القادمة، مع ترك مساحة للتعديل كلما احتجت
لا أنتظر من نفسي أن أكون أكثر إنتاجية في كل دقيقة، ولا أن تتحول حياتي إلى سلسلة من الإنجازات، أريد فقط أن أستعيد بعض المساحة التي افتقدتها، وأن أعود إلى الأشياء التي أحبها، وأن أكون أكثر وفاءً للوعود الصغيرة التي أقطعها على نفسي
ربما تكون المعجزة الحقيقية ليست في الساعة التي نكسبها من يومنا، بل في الأشياء التي نستعيدها حين نقرر أن نمنح أنفسنا وقتًا.

