November Third

الثالث من نوفمبر.

 

منذ الأمس وأنا أحاول بشتى الطرق أن أنفّس عمّا حدث، وأن أضعه في مكانه الصحيح، وأن أتجاوزه بأقل الأضرار الممكنة.
 حاولت أن أتركه يمرّ كما تمر أشياء كثيرة لا تستحق أن نمنحها أكثر من حجمها، وحاولت أن أنشغل عنه، وأن أقول لنفسي إنه مجرد موقف عابر، وإن الغد كفيل بأن يجعله أصغر مما يبدو الآن، لكنني فشلت في كل ذلك. ظلّ شيء منه عالقًا في داخلي؛ لا هو بالحزن الواضح الذي يمكنني البكاء عليه، ولا بالغضب الذي يمكنني إخراجه، وإنما ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يعيد المشهد في رأسه مرات كثيرة، ويسأل نفسه أسئلة لم يكن ينوي أن يسألها.
ولذلك ها أنا أعود إلى مخبئي الذي لم يخذلني يومًا: الكتابة.
 إلى المكان الوحيد الذي أشعر أنه يستطيع أن يمتص كل ما أعجز عن حمله، وأن يأخذ مني الشعور كما هو، دون أن يطلب مني أن أرتبه أولًا أو أن أجعله منطقيًا.
 أمسكت جهازي المحمول لأكتب، لكنني هذه المرة لا أكتب لأحد، ولا لأحكي ما حدث، ولا حتى لأجد من يقول لي إنني محقة أو إنني أبالغ ,  أكتبها لي أنا. 
أكتبها حتى لا تبقى هذه المشاعر حبيسة مذكراتي، وأكتبها لأعود إليها يومًا، في لحظة أخرى، حين أحتاج أن أتذكر ماذا شعرت، ولماذا شعرت، وكيف خرجت من هذه اللحظة.
ولعلني، قبل أن أكتب عمّا حدث بالأمس، أحتاج أن أكتب عن شيء أقدم منه بكثير؛ عن حلم لم يبدأ بالأمس، ولا منذ دخولي إلى الجامعة، ولا حتى عندما أصبحت فكرة التعليم خيارًا مهنيًا، بل بدأ من مقعد صغير في المرحلة الابتدائية.
كنت طفلة لا تتجاوز التاسعة، أجلس في حصتي وأنظر إلى معلماتي بذلك الحب الذي لا أعرف كيف أصفه الآن إلا بأنه كان يلمع في عيني ، كنت منبهرة بهن، بطريقة حديثهم، وحضورهم، وطريقتهم في الوقوف أمامنا، وكنت أرى فيهم شيئًا جعلني أتخيل نفسي في مكانهم يومًا ما.
 لم أكن أعرف شيئًا عن الطريق الذي ينتظرني، ولا كم عامًا تفصلني عن ذلك المشهد، لكنني كنت أرى نفسي معلمة، وأتخيلني واقفة أمام طالباتي، وكأن عزيزه ذات الأعوام التسعة كانت تعرف شيئًا عن مستقبلها لم أكن أعرفه أنا بعد.
لم يكن ذلك مجرد حلم طفولي مرّ مع السنوات، بل كبر معي بهدوء، وتسلّل من مرحلة إلى أخرى حتى أصبح جزءًا من صورتي عن نفسي ، وكلما كبرت كبر الحلم معي، حتى وصلت يومًا إلى المكان الذي كنت أتخيله وأنا طفلة، وأصبحت فعلًا معلمة.
لكن الغريب أن الأحلام حين تصبح حياة لا تصل إلينا بصوت عالٍ، ولا تأتي معها لحظة موسيقية تخبرنا بأننا وصلنا، ولا تتوقف الحياة قليلًا حتى نلتفت إلى أنفسنا ونقول: هذا هو اليوم الذي انتظرته طويلًا.
 تصل إلينا بهدوء شديد، ثم تتكرر، ثم تصبح عادة، ثم يصبح الشيء الذي كان حلمًا ذات يوم جزءًا من أيامنا العادية.
وهذا ما حدث معي.
أصبحت أدرس طلابًا وطالبات، وأصبحوا يستقبلونني كل يوم ويودّعونني بالأحضان، حتى تحولت الأحضان إلى طقس صغير لا يكاد يكتمل اليوم من دونه. أراهم يأتون إليّ في الصباح، وأراهم في نهاية اليوم، وأحيانًا، وسط هذه التفاصيل التي أصبحت مألوفة جدًا، أتوقف للحظة وأتساءل: هل كانت تلك الصغيره بـ أعوامها التسعة  تتخيل هذا؟ هل كانت تعرف أن حلمها بأن تصبح معلمة سيأخذها إلى مكان تصبح فيه محبوبة من أطفال بهذا القدر؟
حتى انني استقبلت منهم عبر السنوات عددًا هائلًا من الرسائل، رسائل تفوق عدد أيام عمري؛ بعضها كلمات بسيطة جدًا، وبعضها يحمل مشاعر أكبر من قدرتهم على التعبير عنها، لكنها بقيت معي بطريقة أو بأخرى.
 وفي أوقات كثيرة، كانت هذه الرسائل هي الوقود الحقيقي لاستمراري، ليس لأنها تجعل كل شيء سهلًا، ولا لأنها تلغي الأيام الثقيلة، وإنما لأنها تذكّرني بالمعنى الذي أحببت من أجله هذا الطريق منذ البداية.
فحين تصلني رسالة من طفل، أو تأتي طالبة لتحتضنني في بداية اليوم، أو يركض أحدهم نحوي مودّعًا في نهايته، أشعر أحيانًا أنني أرى عزيزه الصغيرة للحظة.
 أراها وهي تجلس في مقعدها وتنظر إلى معلمتها بذلك الانبهار الذي لم تكن تعرف كيف تخفيه، وأشعر أنني أخيرًا أفهم ما كانت تريده من هذا الحلم.
لم تكن تريد فقط أن تصبح معلمة.
كانت تريد أن تعيش هذا الشعور؛ أن تكون في حياة أطفال، وأن يحبها أحدهم، وأن ينتظرها أحدهم، وأن يكون لوجودها معنى وأثر صغير في يوم شخص آخر، وأن تصبح يومًا، بالنسبة لطفل ما، تلك المعلمة التي سيكبر ويتذكرها، كما كبرت أنا وما زلت أتذكر معلماتي.
ولهذا، حين جاء موقف الأمس وأثقلني، وحين وجدتني أسأل نفسي للحظة: هل يستحق كل هذا؟ شعرت أنني بحاجة إلى أن أعود إلى البداية، لا لأقنع نفسي بأن كل شيء بخير، ولا لأبرر ما حدث، ولا لأتجاهل شعوري، وإنما لأتذكر أنني لا أريد أن أنظر إلى هذا الحلم من خلال لحظة واحدة فقط.
فاللحظات الثقيلة لا تختصر السنوات، والموقف الذي يؤلمنا اليوم لا يستطيع أن يمحو كل ما أحببناه بالأمس.
ربما يحق لي أن أتعب، وأن أتأثر، وأن أحتاج إلى أن أبتعد قليلًا لأستعيد نفسي، وربما تتغير أشياء كثيرة في حياتي يومًا ما، لكنني لا أريد أن أتخذ موقفًا من حلم عمري وأنا أنظر إليه بعين يوم واحد.
أريد أن أتذكر الصورة كاملة؛ أتذكر الطفلة التي بدأت الحكاية، والسنوات التي حملت فيها هذا الحلم، واللحظة التي تحقق فيها دون أن أنتبه، والوجوه الصغيرة التي جعلتني أشعر أنني في المكان الذي تخيلته يومًا، والأحضان التي أصبحت جزءًا من صباحي، والرسائل التي بقيت معي، وكل تلك التفاصيل التي ربما لا تبدو كبيرة لمن يراها من الخارج، لكنها بالنسبة لي كانت، وما زالت، إجابات صغيرة على سؤال قديم جدًا.
وأفكر الآن أن الإنسان حين يتعب من الشيء الذي أحبّه، لا يعني بالضرورة أنه توقف عن حبه، ربما يعني فقط أنه يحتاج إلى أن يتذكر لماذا أحبّه أصلًا.
وأنا أحببت التعليم قبل أن أعرف ثقل التعليم.
أحببته من مقعد طالبة، ومن نظرة طفلة إلى معلماتها، ومن بريق عينين لم تكونا تعرفان أن السنوات ستحملها يومًا إلى الجهة الأخرى من الفصل.
لذلك ربما كانت الكتابة هي المكان الذي احتجت إلى أن أعود إليه الليلة، لا لأكتب عن موقف الأمس، وإنما لأكتب عن كل ما جاء قبله؛ عن السبب الذي يجعلني أتأثر، وعن الحلم الذي جعل لهذا الموقف كل هذا الوزن، وعن عزيزه التي ما زالت، رغم كل ما كبرت وعرفت، تسكن في مكان ما بداخلي.
أكتب لها أكثر مما أكتب عني ، أكتب حتى لا أنسى أنها كانت هنا أولًا ، وأنها كانت تحلم وأنني رغم كل شيء، وصلت.
وربما لو قرأت عزيزة ذات الأعوام التسعة هذه التدوينة يومًا، فلن تفهم لماذا جعلني موقف واحد أتساءل عن كل هذا. ستنظر إليّ باستغراب، ثم ستنظر إلى طالباتي وطلابي، إلى الأحضان التي أستقبلها كل يوم، وإلى الرسائل التي احتفظت بها، وستقول لي ببساطة شديدة: ألم تكوني تريدين أن تكوني معلمة؟
وسأبتسم لها. 
نعم، كنت أريد 
 وما زلت في مكان عميق جدًا مني، تلك الطفلة التي كانت ترى في معلماتها شيئًا يشبه الحلم.
ولعل هذا هو كل ما كنت أحتاج إلى تذكّره الليلة؛ أن بعض الأيام قد تجعلنا نشك في الطريق، لكنها لا تستطيع أن تغيّر سبب بدايته.
وأنني لست مطالبة بأن أحب كل يوم في هذا الطريق بالطريقة نفسها، يكفيني أن أتذكر أحيانًا لماذا أحببته أول مرة.

 



الواحدة بعد منتصف الليل، ذلك التوقيت الهش الذي تتخفف فيه الحياة من ضجيجها وتتركني وحيدة أمام ذاكرتي، تظهر لي في ذكريات السناب شات صورة قديمة، فلاش باك للحظة عشتها واختزلتها في لقطة واحدة عام 2018 لجدي، ولم أكن أعلم حينها أن ما التقطته في ساعة بهجة عابرة سيعود إليّ بعد سنوات محمّلًا بثقل لا يُرى، بثقل الحنين حين يتحول الفرح إلى علامة فقد، وحين تصبح الصورة بابًا يُفتح على زمن لم يعد موجودًا إلا في القلب.


كنت أظنها مجرد صورة، ابتسامة مألوفة، ضوء نهار صافٍ، إحساس عادي بالأمان لا يلفت الانتباه ولا يثير الأسئلة، ولم يخطر ببالي أن بعض اللحظات لا تُلتقط لتُحفظ، بل لتُفهم متأخرًا، وأن الزمن لا يسلبنا أحبتنا فجأة، بل ينتزعهم بهدوء شديد، ويترك لنا أثرًا صغيرًا، صورة واحدة، كي نكتشف بعد فوات الأوان كم كانت حياتنا ممتلئة ونحن نظنها عادية، وكم كانت السعادة كاملة لدرجة أنها لم تعلن عن نفسها.


الآن، وأنا أحدّق في الصورة عند هذا التوقيت بالذات، لا أرى إطارًا ولا تاريخًا ولا ذكرى رقمية عابرة، أرى حياة كاملة مختبئة في نظرة، وصوتًا كان يملأ المكان طمأنينة دون جهد، ويدًا لم تكن تمسك بي فقط، بل كانت تمسك العالم من حولي كي لا يميل، فأدرك متأخرة أن الأمان لم يكن شعورًا داخليًا كما ظننت دائمًا، بل كان شخصًا حيًا يتنفس معنا، وحين غاب، تغيّر شكل الأيام، وتبدلت طريقة استقبالنا للحياة، وصار القلب أكثر حذرًا، وأكثر وعيًا بثقل الفقد.


أفهم الآن أن الفرح الحقيقي لا يطرق الأبواب ولا يرفع صوته، يأتي بسيطًا، عاديًا، متخفيًا في التفاصيل اليومية، حتى نظن أنه سيبقى إلى الأبد، ثم يرحل بصمت، ويترك للذاكرة مهمة قاسية، أن تعيدنا في منتصف الليل إلى لحظة لم نمنحها حقها من الامتنان، وأن تضعنا أمام أنفسنا ونحن نحاول التعايش مع فكرة أن بعض النعم لا نعرف شكلها الحقيقي إلا حين تصبح ذكرى.


جدي، ما زلت تعود إليّ في صورة، لكنك تسكنني كحقيقة لا تزول، تظهر فجأة بلا موعد، لتعلّمني أن بعض الغياب ليس فراغًا، بل امتلاء موجع بالحنين، وأن الذكريات حين تختار وقتها تفعل ذلك لأنها تعرف أن القلب في هذا التوقيت يكون أعزل تمامًا، بلا أقنعة ولا قدرة على النجاة، ومنذ رحيلك وأنا أمارس حزني كـ سرّ لا يحق لأحد أن يراه، أعود إلى فراشي ليلاً وكأنني أعود إلى مخبأ أخير، أطفئ الضوء على العالم وأشعله داخلي، أضغط وجعي في صدري كي لا يفيض، وأترك دموعي تسقط بصمت كأنها حديث لم يكتمل قوله لك، وكأن في كل دمعة حياة كان يجب أن تُعاش بوجودك ولم تفعل، أبكيك وحدي لأن فقدك أكبر من أن يُشارك، ولأن بعض الأحزان لا تبحث عن مواساة، بل عن ظلام كافٍ لتنهار فيه دون شهود، وما زلت حتى الآن، كلما هدأ كل شيء من حولي، أكتشف أن الليل لم يكن يومًا وقتًا للنوم، بل المكان الوحيد الذي أسمح فيه لغيابك أن يوجعني كما يستحق.




الساعة الحادية عشرة مساءً، ليس رقمًا عابرًا هذه المرة، بل لحظة ممتلئة بالمعنى، أجلس فيها بين سماء لا تُرى وحدود لا تُلمس، على متن طائرة متجهة من الأحساء إلى المدينة المنورة، وكأنني في مساحة بين زمنين، زمن تركته خلفي، وزمن أنتظر أن أصل إليه بعد قليل. قبل ذلك بساعات، كنت في صالة الانتظار، أجلس بين غرباء يجمعهم طريق واحد، أقرأ رواية البَتَل بهدوءٍ داخلي، بينما المكان من حولي يضجّ بالحركة، الحقائب تُسحب، والأصوات تتداخل، وأنا هناك، ثابتة، كأن الوقت انحنى قليلًا احترامًا للقراءة.

لم تكن قراءة عابرة، كانت غرقًا كاملًا، رواية لا تسمح لك أن تكون على الهامش، تسحبك إلى داخلها، تجعلك تركض مع بطلتها، تنتقل معها من مدينة إلى أخرى، تحمل خوفها وأسئلتها، وحين صعدت البطلة القطار، شعرت وكأنني أنا من انتقلت، وكأن السؤال لم يكن عنها بقدر ما كان عني، عن هذا الانتقال الصامت الذي أعيشه الآن دون أن ألتفت له.


حين صعدت الطائرة، حملت معي الرواية والفكرة معًا، ومع أول ساعة في السماء، أدركت أنني أقطع ألفًا ومئتي كيلومتر في ساعتين فقط، وأنا معلّقة في المكان الذي أحببته طويلًا من الأسفل، السماء التي كنت أرفع رأسي لها بلا سبب، أبحث فيها عن طمأنينة لا أعرف اسمها، وها أنا الآن أعبرها، لا أنظر إليها، بل أكون داخلها، بينما المسافة ذاتها تحتاج اثنتي عشرة ساعة إن قُطعت على الأرض، كأن السماء اختصرت عمرًا كاملًا من التعب دفعة واحدة.


توقفت عند هذه الفكرة طويلًا، عشر ساعات كاملة لم أضطر لعيشها على الطرقات، لم تُستهلك في إرهاق السفر، بل أُضيفت إلى رصيدي، ساعات سأقضيها بين أهلي، في أحاديث بسيطة، في ضحكات عادية، في لحظات لا تُصوَّر لكنها تُحفظ في القلب، وهنا تذكّرت ما قررت فعله مع بداية عام ٢٠٢٦، حين اخترت أن أعيش «١٠٠ يوم سعيد»، لم يكن المشروع أن أبحث عن السعادة، بل أن ألاحظها، أن أدرّب عيني على رؤية التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ دون انتباه.


منذ ذلك القرار تغيّر كل شيء ببطء، أصبحت أرى الوقت كنعمة، والمسافة كعطاء، والتيسير كرحمة لا كأمرٍ مُسلّم به، ومن هذه الزاوية فقط استطعت أن أدرك عظمة أن أقطع ألفًا ومئتي كيلومتر في ساعتين، دون عناء، دون خوف، دون أن أشعر بثقل الطريق، فكرة صغيرة لكنها فتحت بابًا واسعًا للتأمل، وجعلتني أكثر نَباهة للنِعم التي لم أكن ألقي لها بالًا.


تساءلت بهدوءٍ ثقيل: كيف يستطيع الإنسان أن يشكر الله على كل هذا؟ كيف نطلب المزيد ونحن نغرق في وفرة لم تكن لمن قبلنا؟ كان أغنى الأغنياء في زمنٍ مضى لا يعيشون ما نعيشه اليوم، لا سرعة الوصول، ولا راحة التنقّل، ولا هذا القرب المدهش بين المدن، بين الأمكنة، بين القلوب.


سخّر الله لنا الدنيا بما فيها، وقرّب البعيد، وسهّل الثقيل، لكن القلوب تعبت من كثرة الاعتياد، فلم تعد ترى المعجزة إلا حين تغيب، ولا تشعر بالنِعمة إلا حين تُسلب، فما بالنا نفعل ذلك؟ وكيف أصبح الامتنان شعورًا مؤجلًا، لا حاضرًا؟


أخذني التفكير بعيدًا، إلى يوم الحساب، إلى الوقوف بين يدي الله، إلى تلك اللحظة التي تُعرض فيها النِعم واحدة تلو الأخرى، بلا تبرير ولا اعتياد، فقط حقائق صافية، وإلى أعمارٍ كاملة قد لا تكفي لشكر نعمة واحدة، فكيف بكل هذا الفيض الذي نعيشه كل يوم دون أن نتوقف؟


انتهى بي التأمل إلى دعاء خرج من أعماقي بلا ترتيب ولا تزيين، لكنه كان الأصدق:

يا رب، اغفر لنا تقصيرنا، وعلّم قلوبنا أن ترى نعمك قبل أن تعتادها، وأن تشكرك كما يليق بعظيم كرمك. 




كنتُ فرِحة باقتنائي لرواية هايدي، فرحًا يشبه الاطمئنان الصغير الذي يسبق العاصفة دون أن ندري، اخترتُها لتكون ثاني كتاب لهذا العام، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لأنني كنت أبحث عن روايةٍ لطيفة، خفيفة، تشبه الاستراحة، ملجأً ألوذ به من ثقل الأيام وتراكم الشعور ، ظننتُ أنني أعرف ما أنتظره، طفلة، جبال، بساطة، ودفء ، لم أكن أعلم أن السحر أحيانًا لا يهدّئ، بل يوقظ، وأن ما نختاره ليكون عكازًا قد يتحوّل فجأة إلى مرآة.


لم أكن أعلم أن من سعيتُ إليه ليواسيني سيقودني مباشرة إلى جرحٍ قديم، جرحٍ أقنعتُ نفسي طويلًا أنه التأم، وأنني تجاوزته، وأن الحديث عنه لم يعد يؤلمني ، كنت أقول ذلك بثقة، وأصدّق نفسي، إلى أن جاءت هايدي، تلك الطفلة الصغيرة مع جدها، لتفتح بابًا أغلقته منذ زمن ، لم تفعل ذلك بعنف، بل بهدوءٍ أشد إيلامًا ، كل كلمةٍ منها كانت تقترب بخفة، تلمس موضع الألم بدقةٍ مقلقة، وكأن النص يعرف الطريق إلى قلبي أكثر مما أعرفه أنا.

كنت أقرأ ببطء، لا لأن اللغة صعبة، بل لأن الشعور ثقيل ، لم أستطع إنهاء سوى مئة وخمسون صفحة فقط، لا عجزًا عن المتابعة، بل لأن ثقل ما أُثير داخلي كان يمضي معي صفحةً صفحة، يجلس بجانبي، يرافقني، ويطالبني بالإنصات.
أدركت أن بعض الكتب لا تُقرأ دفعة واحدة، لأنها لا تمر مرورًا عابرًا، بل تمكث، وتطلب منك أن تتوقف، أن تشعر، أن تتنفس، وربما أن تتألم قليلًا.

وأنا أقرأ، لم أكن في عالم الرواية فقط، كنت أعود إلى بيتنا ، إلى تلك اللحظات البسيطة التي لم نكن نعرف أنها كنوز ، إلى جلوسنا أمام التلفاز بعد عودتنا من المدرسة، نتابع هايدي بعيونٍ صغيرة وقلوبٍ لم تعرف الفقد بعد ، اشتقت لذلك الشعور البريء، لذلك الوقت الذي كان فيه كل شيء يبدو دائمًا.

اشتقت لرائحة الكيك وهي تملأ المنزل عصرًا، تلك الرائحة التي لا تحمل طعم السكر فقط، بل طعم الأمان ، اشتقت للأصوات، للضحكات العابرة، للتفاصيل التي لا تعود.
ثم جاء جدي في الذاكرة، كما لو أن الرواية استدعته عمدًا ، اشتقت للنزهات التي كنا نذهب فيها معًا، للطريق، للأحاديث البسيطة، للصمت المريح ، لم يكن جدي عاديًا أبدًا، كان واحدًا من أولئك الذين يصنعون معك ألف ذكرى لا تتكرر، ولا تُنسى مهما مرّ الزمن ، كان حضورًا، وكان ظلًا، وكان وطنًا صغيرًا ، وأنا أقرأ، أدركت أن الحنين ليس ضعفًا، بل وفاء متأخر لكل ما أحببناه بصدق.
الآن، أجلس على مكتبي في الرابعة فجرًا، والمدينة نائمة، وكل شيء من حولي ساكن، إلا هذا الشعور الذي لم يهدأ ، أكتب لأن الكتاب لم يكتفِ بما فعله داخلي، ولأن الكلمات صارت ضرورة لا ترفًا. أكتب لأفهم، لأخفف، ولأعترف بأن هايدي لم تكن الرواية اللطيفة التي ظننتها، بل كانت زيارة غير متوقعة لطفولتي، وامتحانًا صامتًا لقلبٍ كان يظن نفسه متماسكًا.



أدركت أن بعض الجروح لا تُشفى، نحن فقط نتعلم كيف نعيش دون أن نلمسها كثيرًا، إلى أن يأتي كتاب، أو ذكرى، أو مشهد بسيط، فيعيدنا إلى نقطة البداية.
ومع ذلك، أنا ممتنة. ممتنة لأنني شعرت، ولأنني تذكّرت، ولأن هذا الوجع كان صادقًا ، فربما يكون الحنين، رغم قسوته، دليلًا خفيًا على أننا عشنا حقًا، وأن ما مضى كان جميلًا بما يكفي ليؤلمنا الآن.

 


مرحبا يا اصدقاء ،

           أعود اليوم إلى موعدنا السنوي، ذلك الموعد الذي لا يطرق بابنا إلا مرة واحدة في العام، فنفتح له قلوبنا قبل دفاترنا، ونجلس مع قراءاتنا كما نجلس مع أنفسنا، نراجع الحصيلة بهدوء، ونسأل دون قسوة: هل حققنا ما أردناه؟ أم أن الطريق قادنا إلى اختيارات أخرى لم تكن في الحسبان، فمنذ أعوام وأنا أعود إلى هذه التدوينة بوصفها طقسًا شخصيًا لا أحب أن ينقطع، لا أكتبها لأعدّ الكتب فقط، بل لأتأمل الأثر الذي تركته في داخلي، وما الذي تغيّر فيّ بعد كل رحلة قراءة.

ومع ذلك، فإن للغياب حكايته، فتدوينة قراءات العام الماضي كُتبت كاملة، لم يكن ينقصها شيء، لكنها بقيت حبيسة المسودات، لا لأن الكلمات خذلتني، بل لأنني أنا من احتجت إلى مسافة، فبعض النصوص تحتاج وقتًا أطول لتستقر، وتحتاج منّا صمتًا صادقًا قبل أن نسمح لها بالخروج، ولعل تلك التدوينة تختار لحظتها المناسبة لاحقًا، حين تشعر بأنها قادرة على أن تُقال كما يجب.

أما هذا العام، فأعود إليكم بشعور مختلف، شعور أقرب إلى الرضا العميق، فقد وصلت إلى هدفي بقراءة خمسين كتابًا، ورغم أنني كنت أطمح إلى رقم أكبر، إلا أن هذا الرقم يحمل في داخله تجربة أثقل وأغنى، فلم يكن الأمر تقاعسًا ولا تراجعًا عن الشغف، بل كان تحوّلًا في الذائقة، ورغبة مُلحّة في التمهّل، في قراءة الكتب الكبيرة التي لا تُقرأ على عجل، ولا تُختصر في أيام قليلة، الكتب التي تطلب من قارئها وقتًا وصبرًا، وتكافئه لاحقًا بعمق لا يُنسى.

هذا العام، لم تعد تغريني الكتب ذات الصفحات القليلة، ولا المشاوير السريعة بين غلافين، بل صرت أبحث عن الرحلات الطويلة، عن الكتب التي أعيش معها فترة من الزمن، أضعها قرب سريري، وأعود إليها كل ليلة، عن نصوص تسمح لي أن أسكنها طويلًا، وتسمح لها أن تسكنني بدورها، فتصبح جزءًا من يومي، ومن أفكاري، ومن حديثي الداخلي.

ولهذا، فإن الإنجاز هذا العام لم يكن في العدد بقدر ما كان في العمق، لم يكن في سرعة الانتهاء بقدر ما كان في بطء التفاعل، وفي تلك المسافة الهادئة التي تتركها القراءة في الداخل، حيث تتشكّل الأسئلة، وتتبدّل النظرة، ويكبر المعنى دون ضجيج، وهذا النوع من المكاسب لا يُقاس بالأرقام، بل بما يبقى في القلب بعد أن نغلق آخر صفحة.

فالقراءة، في جوهرها، ليست سباقًا نصل فيه أولًا، بل رحلة نعود منها مختلفين، وكل كتابٍ حقيقي يترك فينا أثرًا يشبه علامة الطريق، لا تُرى… لكنها لا تُنسى.

والان ، سأشارككم عناوين الكتب التي قرأتها هذا العام مرفقة بتقييمي لها، حيث إن الخمسين كتابًا حصدت جميعها تقريبًا خمس نجمات، إلا ما ندر، وكأن هذا العام كان كريمًا عليّ في اختياراته، ومُنصفًا في مكافأته.


قِراءات 2025 📚🎯:


*يناير :

لمعان النجوم ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

أسفار مدينة الطين (سفر العباءة) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

أسفار مدينة الطين (سفر التبة) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

أسفار مدينة الطين (سفر العنفوز) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

بين القصرين ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

قصر الشوق ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

السكرية ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*فبراير :

نصفي من الشرق ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

روزينها زورقي الصغير ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

لا تقولي إنك خائفة ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

تسوكورو تازاكي عديم اللون وسنوات حجه ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

الحب والظلال ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

يوميات طائر الزنبرك(الجزء ١و ٢)⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

يوميات طائر الزنبرك(الجزء ٣) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

إبْنةُ الحظّ ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

صُورة عتيقة ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*أبريل :

شوجي بين ⭐️⭐️⭐️⭐️

بيت الأرواح ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

مناورة الملكة ⭐️⭐️⭐️

غداً ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*مايو :

فتاة من ورق ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

عائد لأبحث عنك ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

اللحظة الراهنة ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

لأنني أحبك ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

شقة في باريس ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

نداء الملاك ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

أنقذني ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

سنترال بارك ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

بعد ٧ سنوات ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

وبعد ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*يونيو :

الحب في زمن الكوليرا ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

پاولا ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

الأخوة كارامازوف (الجزء الأول ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*يوليو :

الأخوة كارامازوف (الجزء الثاني ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

الأخوة كارامازوف (الجزء الثالث ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

الأخوة كارامازوف (الجزء الرابع ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*أغسطس : 

مذلون مهانون ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*سبتمبر:

آنا كارينينا (الجزء الأول ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

آنا كارينينا (الجزء الثاني ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*أكتوبر :

نساء صغيرات (الجزء الأول ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

نساء صغيرات (الجزء الثاني ) ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

رجال صغار ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️


*نوفمبر :

متلازمة فريجولي ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

حقل التفاح. ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

الساعة الخامسة والعشرون ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

وسادة من عشب ⭐️⭐️⭐️⭐️


*ديسمبر:

كلّ أزرق السماء ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

صلاة القلق ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

وقت للحبّ ووقت للموت ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️

السيدة التي حسبت نفسها سوسة ⭐️⭐️⭐️⭐️⭐️



صباح الجمعة جاء هذه المرة ممتدًا كجملةٍ لا ترغب أن تنتهي، دخلت الشمس غرفتي بهدوءٍ يشبه الطمأنينة، لم توقظني بسطوعها بل همست، تسللت خيوطها من بين فراغات الستارة واستقرت على الجدار، ثم انسحبت ببطء نحو سريري، كأنها توقظ فيّ شيئًا أعمق من الجسد، شيئًا اعتاد أن يصحو على الضوء لا على الصوت، فنهضت وأنا أشعر أن هذا الصباح كُتب لي وحدي، بلا استعجال ولا التزامات ثقيلة.


ذهبت إلى المطبخ وصنعت كوبًا من شاي التوت، تركته قليلًا ليأخذ لونه الكامل، كنت أراقبه وهو يتحول من ماءٍ شفاف إلى لونٍ دافئ، يشبه هذا الصباح تمامًا، رائحته ملأت المكان بهدوء، حملت الكوب بين يدي وعدت إلى غرفتي، إلى مكتبي تحديدًا، ذلك الركن الذي يشبهني أكثر مما أُظهر للآخرين، حيث تتكدس الكتب لا كزينة بل كشهود على أيامٍ مررت بها وأنا أبحث عن نفسي بين السطور.


ما زال أثر رواية كل أزرق السماء حاضرًا في داخلي، أنهيتها بالأمس، وما زلت أشعر أنني لم أغادرها تمامًا، بعض الروايات لا تُغلق بآخر صفحة، بل تبقى مفتوحة في القلب، تترك فينا شعورًا غامضًا يشبه الفقد، وكأننا نودّع أشخاصًا عاشوا معنا أكثر مما نعتقد، وقفت أمام مكتبتي أتأمل العناوين، وكنت أبحث عن كتاب لا لأقرأه فقط، بل لأكمل به هذا الصباح كما ينبغي.


وقعت يدي على صلاة القلق، الرواية التي بدأتها منذ ثلاثة أسابيع، لكنني لم أغص فيها كما يجب، لم أسمح لها أن تأخذني بالكامل، لذلك لم أحملها معي في السفر، تركتها هنا على المكتب، مقلوبة الصفحة، تنتظر عودتي بصبرٍ يشبه صبر الكتب التي تعرف أن لكل قارئ توقيته الخاص، وأدركت أنني ربما لولا اقتراب نهاية العام لما عدت إليها الآن، فنهايات الأعوام تجعلنا نراجع ما تركناه خلفنا، وتجبرنا بلطفٍ قاسٍ على إكمال الأشياء المؤجلة، وأنا بطبعي نادرًا ما أترك كتابًا دون أن أنهيه، ونادرًا ما أؤجل القراءة، فالكتب بالنسبة لي ليست هواية، بل التزامٌ وجداني، إما أن أعيشها كاملة أو لا أبدأها أبدًا.



كان الجو مشمسًا على غير عادة الشتاء، وأشعة الشمس انعكست على المكتبة، لامست ظهور الكتب واحدًا تلو الآخر، فبدت أكثر جمالًا، كأن الضوء أعاد ترتيبها، وكأن لكل كتاب ظلًا جديدًا لم أره من قبل، جلست إلى المكتب، وضعت كوب الشاي بجانبي، فتحت الرواية، وشعرت أن هذا هو الوقت الصحيح، أن بعض الكتب لا تتأخر، بل تنتظر أن نكون نحن في الحالة المناسبة لها.


في صباح الجمعة هذا، لم أكن أقرأ فقط، كنت أستعيد هدوئي، أرتب داخلي، وأسمح للشمس والكتب وشاي التوت أن يشكلوا مشهدًا صغيرًا، لكنه كافٍ ليجعل اليوم كله أخف، ويذكرني أن السكينة أحيانًا لا تحتاج أكثر من ضوءٍ صادق، وكتابٍ صبور، وقلبٍ مستعد أن يصغي. 





هذه الكلمات كُتبت في السيارة تحت زخّات المطر .


أقف على قارعة الطريق، لا لأن الطريق انتهى، بل لأن قلبي لم يعد يعرف كيف يكمل، كأن كل خطوة بعدك تحتاج إذنًا، وكأن الزمن صار أبطأ من أن أحتمله، والمطر يسقط على الزجاج كما لو أنه يطرق بابي أنا، لا الطريق، يطلب مني أن أفتح، أن أسمح لكل ما أخفيته أن يخرج دفعة واحدة، لأن الحزن حين يتراكم لا يرحل، بل ينتظر لحظة ضعف… والمطر هو تلك اللحظة.


كنتَ تحب المطر يا جدي، تحبه بصدق يشبهك، بفرحٍ لا يرفع صوته، بطمأنينة لا تشرح نفسها، كنا نركب السيارة، والمطر ينساب على الزجاج، وأنت تنظر أمامك وتبتسم، وكأن الحياة في تلك اللحظة كانت كاملة، وكأنك لم تكن بحاجة إلى شيء أكثر من صوت القطرات ليشعر قلبك بالرضا، وأنا كنت بجانبك، أتنفس الأمان دون أن أعرف اسمه، أعيش الحماية دون أن أدرك أنها نعمة مؤقتة.


لم أكن أعلم أن هذه المشاوير الصغيرة ستصبح لاحقًا أكبر من عمري، وأن صوت المطر الذي كان يسعدك سيصبح أكثر ما يوجعني، لأن كل قطرة الآن تقول لي إنك لست هنا، وإن المقعد الذي كنت تجلس عليه أصبح فارغًا بطريقة لا تُحتمل، فراغ لا يُرى بالعين، لكنه يضغط على الصدر حتى يصعب التنفس.


اليوم، المطر لا يمرّ عليّ، بل يمرّ بي، يخترقني، يفتح أبواب الذكريات التي حاولت إغلاقها، لا ليسكنها، بل ليقلبها، ليعيد ترتيبها بشكل مؤلم، يجعلني أتذكر تفاصيل لم أكن أظن أنها ستؤلمني إلى هذا الحد؛ نبرة صوتك، طريقة سكوتك، إحساس وجودك الذي كان يجعل كل شيء أقل خوفًا، وأدرك متأخرة أن الأمان حين يرحل لا يترك بديلًا.


اشتياقي لك ليس حنينًا عاديًا، هو فراغ، هو ثقل، هو شعور بأن شيئًا أساسيًا قد انتُزع من داخلي دون استئذان، كأنني فقدت جزءًا من توازني، جزءًا من ثباتي، جزءًا من قدرتي على الاحتمال، مذكّراتي امتلأت بك، ليس لأنني أحب الكتابة فقط ، بل لأنني لا أعرف كيف أعيش بدون أن أكتبك، أكتب عنك ألف مرة في اليوم، وفي كل مرة أكتشف أن الكلمات لا تُخفف، بل تفضح حجم الخسارة.


كنت أظن أن الكتابة ستشبه الضماد، ثم اكتشفت أنها تشبه المرآة، تُريني وجعي كاملًا، دون رتوش، دون تخفيف، تُريني أنني ما زلت تلك الحفيدة التي تبحث عن جدّها في كل مكان، في الطرقات، في المقاعد، في صوت المطر، في الدعاء، في الفراغ، وتفشل في إيجاده، فتعود محمّلة بالخذلان.


غيابك يا جدي لم يكن رحيل شخص، كان انهيار نظام كامل، كنتَ الثبات الذي لا أفكر فيه، والآن أفكر فيه في كل شيء، كنتَ الدعامة الصامتة، وحين سقطت، سقط معها شعوري بالأمان، صرت أعيش وأنا أفتقدك في تفاصيل لا تخطر على بال أحد، أفتقدك في الأشياء التي لا تُقال، في اللحظات التي كنتَ تجعلها أسهل فقط بوجودك.


المطر لا يجعلني أبكي لأنني حزينة، بل لأنه صادق، لأنه لا يترك لي فرصة للكذب على نفسي، يقول لي بوضوح مؤلم: أنتِ ما زلتِ مكسورة، أنتِ ما زلتِ تشتاقين، أنتِ ما زلتِ لم تتصالحي مع فكرة أنك لن تسمعي صوته مرة أخرى، ولن تري ابتسامته، ولن تشعري بذلك الاطمئنان الذي كان يسبق كل شيء.


أقف هنا، في السيارة، والمطر يملأ المكان، وأشعر أنني طفلة من جديد، طفلة فقدت يدًا كانت تمسك بها في الزحام، وتنظر حولها ولا تجدها، تنادي بصوت منخفض، ثم أعلى، ثم تصمت حين تدرك أن الصوت لن يعود، وأن النداء لن يُجاب.


يا جدي، أنت لم تذهب، أنت انغرست في داخلي، صرت ثِقلًا جميلًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، صرت ذكرى لا تهدأ، صرت وجعًا ناعمًا لا يصرخ لكنه لا ينام، صرت مطرًا، وكل مرة تمطر السماء أشعر أن قلبي يُفتح بالقوة، وأنني أعيش فقدك من جديد، بنفس الطراوة، بنفس الألم، كأن الزمن لم يمر.


وفي كل مرة أظن أنني تعودت، يأتي المطر ليكسر هذه الكذبة، ليقول لي إن بعض الفقد لا يُشفى، وإن بعض الغياب لا يُتجاوز، وإن الحفيدة التي فقدت جدّها لا تكبر تمامًا، يبقى في داخلها فراغ على هيئة رجل كان يعني العالم كله.


أنا لا أطلب أن يخف الوجع، لأنني أخاف إن خفّ أن يبهت حضورك، لكنني أعترف فقط أنني متعبة، متعبة من الاشتياق، من التظاهر بالقوة، من حملك في قلبي كذكرى لا مكان لها إلا الألم، وكلما هدأ المطر، وكلما صمت الطريق، أدرك أن حزني عليك ليس مرحلة، بل حالة، وأنني سأحبك وأفتقدك وأبكيك بصمت… ما حييت.

رسائل أقدم الصفحة الرئيسية

Categories

  • أُسلوب حَياة 1
  • أنا و جدي 3
  • كُتب العام 7
  • مُذكراتي 3

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

بحث هذه المدونة الإلكترونية

Archive

  • ▼  2026 (5)
    • ▼  أكتوبر 2026 (1)
      • ليس كل ما يؤلمنا يعني أننا أخطأنا الطريق
    • ◄  يناير 2026 (4)
  • ◄  2025 (2)
    • ◄  ديسمبر 2025 (2)
  • ◄  2023 (2)
    • ◄  مايو 2023 (1)
    • ◄  يناير 2023 (1)
  • ◄  2022 (1)
    • ◄  يناير 2022 (1)
  • ◄  2021 (1)
    • ◄  يناير 2021 (1)
  • ◄  2020 (1)
    • ◄  يناير 2020 (1)
  • ◄  2019 (1)
    • ◄  يناير 2019 (1)
  • ◄  2018 (1)
    • ◄  يناير 2018 (1)

Follow Me On Instagram

POPULAR POSTS

  • ذاك الليل الذي لم ينتهِ
  • غيابٌ لا يشيخ
  • ليس كل ما يؤلمنا يعني أننا أخطأنا الطريق
  • فقدٌ لا يمرّ
  • ذاكرة على الهامش
  • ما قرأت في سنة عشرون خمسة وعشرون
  • ما قرأت في سنة ألفين و واحد وعشرين
  • الاعتياد يسرق الدهشة
  • ما قرأت في سنة ألفين و اثنين وعشرين
  • مشهد صباحي يدوّن اللحظة

About me

recent posts

Flickr Images

Facebook

Sponsor

Popular Posts

  • مشهد صباحي يدوّن اللحظة
  • فقدٌ لا يمرّ
  • ذاكرة على الهامش
  • ذاك الليل الذي لم ينتهِ

Trending Articles

  • ذاك الليل الذي لم ينتهِ
  • غيابٌ لا يشيخ
  • ليس كل ما يؤلمنا يعني أننا أخطأنا الطريق
  • فقدٌ لا يمرّ

Designed by OddThemes | Distributed by Gooyaabi Templates