الأربعاء، 7 أكتوبر 2026
حاولت أن أتركه يمرّ كما تمر أشياء كثيرة لا تستحق أن نمنحها أكثر من حجمها، وحاولت أن أنشغل عنه، وأن أقول لنفسي إنه مجرد موقف عابر، وإن الغد كفيل بأن يجعله أصغر مما يبدو الآن، لكنني فشلت في كل ذلك. ظلّ شيء منه عالقًا في داخلي؛ لا هو بالحزن الواضح الذي يمكنني البكاء عليه، ولا بالغضب الذي يمكنني إخراجه، وإنما ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يعيد المشهد في رأسه مرات كثيرة، ويسأل نفسه أسئلة لم يكن ينوي أن يسألها.
ولذلك ها أنا أعود إلى مخبئي الذي لم يخذلني يومًا: الكتابة.
إلى المكان الوحيد الذي أشعر أنه يستطيع أن يمتص كل ما أعجز عن حمله، وأن يأخذ مني الشعور كما هو، دون أن يطلب مني أن أرتبه أولًا أو أن أجعله منطقيًا.
أمسكت جهازي المحمول لأكتب، لكنني هذه المرة لا أكتب لأحد، ولا لأحكي ما حدث، ولا حتى لأجد من يقول لي إنني محقة أو إنني أبالغ , أكتبها لي أنا.
أكتبها حتى لا تبقى هذه المشاعر حبيسة مذكراتي، وأكتبها لأعود إليها يومًا، في لحظة أخرى، حين أحتاج أن أتذكر ماذا شعرت، ولماذا شعرت، وكيف خرجت من هذه اللحظة.
ولعلني، قبل أن أكتب عمّا حدث بالأمس، أحتاج أن أكتب عن شيء أقدم منه بكثير؛ عن حلم لم يبدأ بالأمس، ولا منذ دخولي إلى الجامعة، ولا حتى عندما أصبحت فكرة التعليم خيارًا مهنيًا، بل بدأ من مقعد صغير في المرحلة الابتدائية.
كنت طفلة لا تتجاوز التاسعة، أجلس في حصتي وأنظر إلى معلماتي بذلك الحب الذي لا أعرف كيف أصفه الآن إلا بأنه كان يلمع في عيني ، كنت منبهرة بهن، بطريقة حديثهم، وحضورهم، وطريقتهم في الوقوف أمامنا، وكنت أرى فيهم شيئًا جعلني أتخيل نفسي في مكانهم يومًا ما.
لم أكن أعرف شيئًا عن الطريق الذي ينتظرني، ولا كم عامًا تفصلني عن ذلك المشهد، لكنني كنت أرى نفسي معلمة، وأتخيلني واقفة أمام طالباتي، وكأن عزيزه ذات الأعوام التسعة كانت تعرف شيئًا عن مستقبلها لم أكن أعرفه أنا بعد.
لم يكن ذلك مجرد حلم طفولي مرّ مع السنوات، بل كبر معي بهدوء، وتسلّل من مرحلة إلى أخرى حتى أصبح جزءًا من صورتي عن نفسي ، وكلما كبرت كبر الحلم معي، حتى وصلت يومًا إلى المكان الذي كنت أتخيله وأنا طفلة، وأصبحت فعلًا معلمة.
لكن الغريب أن الأحلام حين تصبح حياة لا تصل إلينا بصوت عالٍ، ولا تأتي معها لحظة موسيقية تخبرنا بأننا وصلنا، ولا تتوقف الحياة قليلًا حتى نلتفت إلى أنفسنا ونقول: هذا هو اليوم الذي انتظرته طويلًا.
تصل إلينا بهدوء شديد، ثم تتكرر، ثم تصبح عادة، ثم يصبح الشيء الذي كان حلمًا ذات يوم جزءًا من أيامنا العادية.
وهذا ما حدث معي.
أصبحت أدرس طلابًا وطالبات، وأصبحوا يستقبلونني كل يوم ويودّعونني بالأحضان، حتى تحولت الأحضان إلى طقس صغير لا يكاد يكتمل اليوم من دونه. أراهم يأتون إليّ في الصباح، وأراهم في نهاية اليوم، وأحيانًا، وسط هذه التفاصيل التي أصبحت مألوفة جدًا، أتوقف للحظة وأتساءل: هل كانت تلك الصغيره بـ أعوامها التسعة تتخيل هذا؟ هل كانت تعرف أن حلمها بأن تصبح معلمة سيأخذها إلى مكان تصبح فيه محبوبة من أطفال بهذا القدر؟
حتى انني استقبلت منهم عبر السنوات عددًا هائلًا من الرسائل، رسائل تفوق عدد أيام عمري؛ بعضها كلمات بسيطة جدًا، وبعضها يحمل مشاعر أكبر من قدرتهم على التعبير عنها، لكنها بقيت معي بطريقة أو بأخرى.
وفي أوقات كثيرة، كانت هذه الرسائل هي الوقود الحقيقي لاستمراري، ليس لأنها تجعل كل شيء سهلًا، ولا لأنها تلغي الأيام الثقيلة، وإنما لأنها تذكّرني بالمعنى الذي أحببت من أجله هذا الطريق منذ البداية.
فحين تصلني رسالة من طفل، أو تأتي طالبة لتحتضنني في بداية اليوم، أو يركض أحدهم نحوي مودّعًا في نهايته، أشعر أحيانًا أنني أرى عزيزه الصغيرة للحظة.
أراها وهي تجلس في مقعدها وتنظر إلى معلمتها بذلك الانبهار الذي لم تكن تعرف كيف تخفيه، وأشعر أنني أخيرًا أفهم ما كانت تريده من هذا الحلم.
لم تكن تريد فقط أن تصبح معلمة.
كانت تريد أن تعيش هذا الشعور؛ أن تكون في حياة أطفال، وأن يحبها أحدهم، وأن ينتظرها أحدهم، وأن يكون لوجودها معنى وأثر صغير في يوم شخص آخر، وأن تصبح يومًا، بالنسبة لطفل ما، تلك المعلمة التي سيكبر ويتذكرها، كما كبرت أنا وما زلت أتذكر معلماتي.
ولهذا، حين جاء موقف الأمس وأثقلني، وحين وجدتني أسأل نفسي للحظة: هل يستحق كل هذا؟ شعرت أنني بحاجة إلى أن أعود إلى البداية، لا لأقنع نفسي بأن كل شيء بخير، ولا لأبرر ما حدث، ولا لأتجاهل شعوري، وإنما لأتذكر أنني لا أريد أن أنظر إلى هذا الحلم من خلال لحظة واحدة فقط.
فاللحظات الثقيلة لا تختصر السنوات، والموقف الذي يؤلمنا اليوم لا يستطيع أن يمحو كل ما أحببناه بالأمس.
ربما يحق لي أن أتعب، وأن أتأثر، وأن أحتاج إلى أن أبتعد قليلًا لأستعيد نفسي، وربما تتغير أشياء كثيرة في حياتي يومًا ما، لكنني لا أريد أن أتخذ موقفًا من حلم عمري وأنا أنظر إليه بعين يوم واحد.
أريد أن أتذكر الصورة كاملة؛ أتذكر الطفلة التي بدأت الحكاية، والسنوات التي حملت فيها هذا الحلم، واللحظة التي تحقق فيها دون أن أنتبه، والوجوه الصغيرة التي جعلتني أشعر أنني في المكان الذي تخيلته يومًا، والأحضان التي أصبحت جزءًا من صباحي، والرسائل التي بقيت معي، وكل تلك التفاصيل التي ربما لا تبدو كبيرة لمن يراها من الخارج، لكنها بالنسبة لي كانت، وما زالت، إجابات صغيرة على سؤال قديم جدًا.
وأفكر الآن أن الإنسان حين يتعب من الشيء الذي أحبّه، لا يعني بالضرورة أنه توقف عن حبه، ربما يعني فقط أنه يحتاج إلى أن يتذكر لماذا أحبّه أصلًا.
وأنا أحببت التعليم قبل أن أعرف ثقل التعليم.
أحببته من مقعد طالبة، ومن نظرة طفلة إلى معلماتها، ومن بريق عينين لم تكونا تعرفان أن السنوات ستحملها يومًا إلى الجهة الأخرى من الفصل.
لذلك ربما كانت الكتابة هي المكان الذي احتجت إلى أن أعود إليه الليلة، لا لأكتب عن موقف الأمس، وإنما لأكتب عن كل ما جاء قبله؛ عن السبب الذي يجعلني أتأثر، وعن الحلم الذي جعل لهذا الموقف كل هذا الوزن، وعن عزيزه التي ما زالت، رغم كل ما كبرت وعرفت، تسكن في مكان ما بداخلي.
أكتب لها أكثر مما أكتب عني ، أكتب حتى لا أنسى أنها كانت هنا أولًا ، وأنها كانت تحلم وأنني رغم كل شيء، وصلت.
وربما لو قرأت عزيزة ذات الأعوام التسعة هذه التدوينة يومًا، فلن تفهم لماذا جعلني موقف واحد أتساءل عن كل هذا. ستنظر إليّ باستغراب، ثم ستنظر إلى طالباتي وطلابي، إلى الأحضان التي أستقبلها كل يوم، وإلى الرسائل التي احتفظت بها، وستقول لي ببساطة شديدة: ألم تكوني تريدين أن تكوني معلمة؟
وسأبتسم لها.
نعم، كنت أريد
وما زلت في مكان عميق جدًا مني، تلك الطفلة التي كانت ترى في معلماتها شيئًا يشبه الحلم.
ولعل هذا هو كل ما كنت أحتاج إلى تذكّره الليلة؛ أن بعض الأيام قد تجعلنا نشك في الطريق، لكنها لا تستطيع أن تغيّر سبب بدايته.
وأنني لست مطالبة بأن أحب كل يوم في هذا الطريق بالطريقة نفسها، يكفيني أن أتذكر أحيانًا لماذا أحببته أول مرة.
الأربعاء، 7 يناير 2026
كنتُ فرِحة باقتنائي لرواية هايدي، فرحًا يشبه الاطمئنان الصغير الذي يسبق العاصفة دون أن ندري، اخترتُها لتكون ثاني كتاب لهذا العام، وفي هذا التوقيت تحديدًا، لأنني كنت أبحث عن روايةٍ لطيفة، خفيفة، تشبه الاستراحة، ملجأً ألوذ به من ثقل الأيام وتراكم الشعور ، ظننتُ أنني أعرف ما أنتظره، طفلة، جبال، بساطة، ودفء ، لم أكن أعلم أن السحر أحيانًا لا يهدّئ، بل يوقظ، وأن ما نختاره ليكون عكازًا قد يتحوّل فجأة إلى مرآة.
لم أكن أعلم أن من سعيتُ إليه ليواسيني سيقودني مباشرة إلى جرحٍ قديم، جرحٍ أقنعتُ نفسي طويلًا أنه التأم، وأنني تجاوزته، وأن الحديث عنه لم يعد يؤلمني ، كنت أقول ذلك بثقة، وأصدّق نفسي، إلى أن جاءت هايدي، تلك الطفلة الصغيرة مع جدها، لتفتح بابًا أغلقته منذ زمن ، لم تفعل ذلك بعنف، بل بهدوءٍ أشد إيلامًا ، كل كلمةٍ منها كانت تقترب بخفة، تلمس موضع الألم بدقةٍ مقلقة، وكأن النص يعرف الطريق إلى قلبي أكثر مما أعرفه أنا.
كنت أقرأ ببطء، لا لأن اللغة صعبة، بل لأن الشعور ثقيل ، لم أستطع إنهاء سوى مئة وخمسون صفحة فقط، لا عجزًا عن المتابعة، بل لأن ثقل ما أُثير داخلي كان يمضي معي صفحةً صفحة، يجلس بجانبي، يرافقني، ويطالبني بالإنصات.
أدركت أن بعض الكتب لا تُقرأ دفعة واحدة، لأنها لا تمر مرورًا عابرًا، بل تمكث، وتطلب منك أن تتوقف، أن تشعر، أن تتنفس، وربما أن تتألم قليلًا.
وأنا أقرأ، لم أكن في عالم الرواية فقط، كنت أعود إلى بيتنا ، إلى تلك اللحظات البسيطة التي لم نكن نعرف أنها كنوز ، إلى جلوسنا أمام التلفاز بعد عودتنا من المدرسة، نتابع هايدي بعيونٍ صغيرة وقلوبٍ لم تعرف الفقد بعد ، اشتقت لذلك الشعور البريء، لذلك الوقت الذي كان فيه كل شيء يبدو دائمًا.
اشتقت لرائحة الكيك وهي تملأ المنزل عصرًا، تلك الرائحة التي لا تحمل طعم السكر فقط، بل طعم الأمان ، اشتقت للأصوات، للضحكات العابرة، للتفاصيل التي لا تعود.
ثم جاء جدي في الذاكرة، كما لو أن الرواية استدعته عمدًا ، اشتقت للنزهات التي كنا نذهب فيها معًا، للطريق، للأحاديث البسيطة، للصمت المريح ، لم يكن جدي عاديًا أبدًا، كان واحدًا من أولئك الذين يصنعون معك ألف ذكرى لا تتكرر، ولا تُنسى مهما مرّ الزمن ، كان حضورًا، وكان ظلًا، وكان وطنًا صغيرًا ، وأنا أقرأ، أدركت أن الحنين ليس ضعفًا، بل وفاء متأخر لكل ما أحببناه بصدق.
الآن، أجلس على مكتبي في الرابعة فجرًا، والمدينة نائمة، وكل شيء من حولي ساكن، إلا هذا الشعور الذي لم يهدأ ، أكتب لأن الكتاب لم يكتفِ بما فعله داخلي، ولأن الكلمات صارت ضرورة لا ترفًا. أكتب لأفهم، لأخفف، ولأعترف بأن هايدي لم تكن الرواية اللطيفة التي ظننتها، بل كانت زيارة غير متوقعة لطفولتي، وامتحانًا صامتًا لقلبٍ كان يظن نفسه متماسكًا.
أدركت أن بعض الجروح لا تُشفى، نحن فقط نتعلم كيف نعيش دون أن نلمسها كثيرًا، إلى أن يأتي كتاب، أو ذكرى، أو مشهد بسيط، فيعيدنا إلى نقطة البداية.
ومع ذلك، أنا ممتنة. ممتنة لأنني شعرت، ولأنني تذكّرت، ولأن هذا الوجع كان صادقًا ، فربما يكون الحنين، رغم قسوته، دليلًا خفيًا على أننا عشنا حقًا، وأن ما مضى كان جميلًا بما يكفي ليؤلمنا الآن.
الجمعة، 19 ديسمبر 2025
صباح الجمعة جاء هذه المرة ممتدًا كجملةٍ لا ترغب أن تنتهي، دخلت الشمس غرفتي بهدوءٍ يشبه الطمأنينة، لم توقظني بسطوعها بل همست، تسللت خيوطها من بين فراغات الستارة واستقرت على الجدار، ثم انسحبت ببطء نحو سريري، كأنها توقظ فيّ شيئًا أعمق من الجسد، شيئًا اعتاد أن يصحو على الضوء لا على الصوت، فنهضت وأنا أشعر أن هذا الصباح كُتب لي وحدي، بلا استعجال ولا التزامات ثقيلة.
ذهبت إلى المطبخ وصنعت كوبًا من شاي التوت، تركته قليلًا ليأخذ لونه الكامل، كنت أراقبه وهو يتحول من ماءٍ شفاف إلى لونٍ دافئ، يشبه هذا الصباح تمامًا، رائحته ملأت المكان بهدوء، حملت الكوب بين يدي وعدت إلى غرفتي، إلى مكتبي تحديدًا، ذلك الركن الذي يشبهني أكثر مما أُظهر للآخرين، حيث تتكدس الكتب لا كزينة بل كشهود على أيامٍ مررت بها وأنا أبحث عن نفسي بين السطور.
ما زال أثر رواية كل أزرق السماء حاضرًا في داخلي، أنهيتها بالأمس، وما زلت أشعر أنني لم أغادرها تمامًا، بعض الروايات لا تُغلق بآخر صفحة، بل تبقى مفتوحة في القلب، تترك فينا شعورًا غامضًا يشبه الفقد، وكأننا نودّع أشخاصًا عاشوا معنا أكثر مما نعتقد، وقفت أمام مكتبتي أتأمل العناوين، وكنت أبحث عن كتاب لا لأقرأه فقط، بل لأكمل به هذا الصباح كما ينبغي.
وقعت يدي على صلاة القلق، الرواية التي بدأتها منذ ثلاثة أسابيع، لكنني لم أغص فيها كما يجب، لم أسمح لها أن تأخذني بالكامل، لذلك لم أحملها معي في السفر، تركتها هنا على المكتب، مقلوبة الصفحة، تنتظر عودتي بصبرٍ يشبه صبر الكتب التي تعرف أن لكل قارئ توقيته الخاص، وأدركت أنني ربما لولا اقتراب نهاية العام لما عدت إليها الآن، فنهايات الأعوام تجعلنا نراجع ما تركناه خلفنا، وتجبرنا بلطفٍ قاسٍ على إكمال الأشياء المؤجلة، وأنا بطبعي نادرًا ما أترك كتابًا دون أن أنهيه، ونادرًا ما أؤجل القراءة، فالكتب بالنسبة لي ليست هواية، بل التزامٌ وجداني، إما أن أعيشها كاملة أو لا أبدأها أبدًا.
كان الجو مشمسًا على غير عادة الشتاء، وأشعة الشمس انعكست على المكتبة، لامست ظهور الكتب واحدًا تلو الآخر، فبدت أكثر جمالًا، كأن الضوء أعاد ترتيبها، وكأن لكل كتاب ظلًا جديدًا لم أره من قبل، جلست إلى المكتب، وضعت كوب الشاي بجانبي، فتحت الرواية، وشعرت أن هذا هو الوقت الصحيح، أن بعض الكتب لا تتأخر، بل تنتظر أن نكون نحن في الحالة المناسبة لها.
في صباح الجمعة هذا، لم أكن أقرأ فقط، كنت أستعيد هدوئي، أرتب داخلي، وأسمح للشمس والكتب وشاي التوت أن يشكلوا مشهدًا صغيرًا، لكنه كافٍ ليجعل اليوم كله أخف، ويذكرني أن السكينة أحيانًا لا تحتاج أكثر من ضوءٍ صادق، وكتابٍ صبور، وقلبٍ مستعد أن يصغي.


Social Media
Search