الساعة الحادية عشرة وتسع وثلاثون دقيقة مساء السبت ، انتهيت للتو من مشاهدة إحدى حلقات مسلسلي ، لكن فكرة واحدة ظلت تدور في رأسي طويلًا، وكأنها لم تكن مجرد فكرة عابرة في مشهد من مسلسل، بل بابًا فُتح بداخلي على أسئلة قديمة أعرفها جيدًا.
ماذا لو تبادلنا الأدوار؟ ماذا لو عشنا بدلًا من بعضنا، واختبرنا الحياة من الجهة الأخرى؟
ماذا لو استيقظ كل منا ذات صباح ليجد نفسه في مكان شخص آخر، يحمل ظروفه، ويواجه مخاوفه، ويرى العالم بعينيه؟ كيف ستبدو الأشياء التي اعتدنا الحكم عليها من بعيد؟ وكم من الأحكام التي نظنها عادلة ستتغير حين نعرف الحكاية كاملة؟
كانت فكرة المسلسل تقوم على توأمين متطابقين قررت كل واحدة منهما أن تعيش مكان الأخرى، بشخصيتها وتفاصيل حياتها.
وفجأة، أصبحت الأسئلة التي كانت تدور في ذهني تجد إجاباتها أمامي، أو ربما تجد أسئلة أخرى أكثر عمقًا ، فالأشياء التي كانت إحداهما تراها بطريقة معينة، بدت مختلفة تمامًا حين عاشتها الأخرى بنفسها وكأن الحقيقة لم تتغير، وإنما الذي تغير هو المكان الذي تنظر منه إليها.
ومن هنا، أخذتني الفكرة إلى أبعد من حكاية مسلسل، إلى حياتنا نحن، ماذا لو أننا، قبل أن نعاتب شخصًا، منحنا أنفسنا لحظة نتخيل فيها أننا مكانه؟ ماذا لو أننا، قبل أن نغضب من تصرف أحدهم، حاولنا أن نفهم الظروف التي دفعته إليه؟ ماذا لو أننا، قبل أن نطلق أحكامنا على الآخرين، سألنا أنفسنا: لو كنت أعيش ظروفه، وأواجه ما يواجهه، وأحمل ما يحمله من مخاوف وأوجاع، هل كنت سأتصرف بطريقة مختلفة؟ أم أنني كنت سأفعل الشيء نفسه، وربما أسوأ منه؟
لماذا نرى أخطاء الآخرين بهذه الوضوح، بينما لا نرى الظروف التي أحاطت بها؟ ولماذا نحاكم تصرفاتهم وفقًا لما نعرفه نحن عن الحياة، وكأن ما نعرفه هو كل ما يمكن معرفته، وكأن الطريق الذي أوصلنا إلى قناعاتنا هو الطريق الوحيد الذي كان يمكن أن نسلكه؟
أفكر أحيانًا في أن كثيرًا من أحكامنا ليست إلا نتيجة المسافة التي تفصلنا عن الآخرين نحن نرى التصرف، لكننا لا نرى ما سبقه، نسمع الكلمات، لكننا لا نعرف كم مرة ابتلع صاحبها كلامًا آخر قبل أن ينطق بها، نرى شخصًا قاسيًا، ولا نعرف كم من القسوة اضطر إلى احتمالها حتى صار كذلك، ونرى شخصًا ينسحب من الحياة، ولا نعرف كم مرة حاول أن يبقى فيها قبل أن يتعب وربما نرى شخصًا نعتقد أنه يبالغ في حزنه، بينما لا نعرف أن ما يبدو لنا أمرًا عابرًا قد يكون بالنسبة إليه آخر ما تبقى له من احتماله.
لا أقول إن الظروف تبرر كل خطأ، أو إن فهم الآخرين يعني أن نتغاضى عن الأذى الذي يصدر منهم، لكنني أتساءل: أليس هناك فرق كبير بين أن نحاسب إنسانًا ونحن نفهمه، وأن نحاكمه ونحن لا نعرف عنه إلا ما ظهر لنا؟ أليس بإمكاننا أن نرفض التصرف دون أن نختصر الإنسان كله فيه؟ وأن نضع حدودًا لما يؤذينا دون أن ننزع عن الآخرين إنسانيتهم؟
لطالما كان هذا السؤال يسكنني، منذ سنوات بعيدة، وربما كان جدي أول من علّمني كيف أنظر إلى الحياة من خلاله كان يسألني دائمًا: «ماذا لو؟»، وأحيانًا يقول لي: «لو كنت أنا مكانك، وكنتِ أنتِ مكاني، لفعلت كذا» لم أكن أعرف حينها أن هذه الأسئلة الصغيرة ستكبر معي، وأنها ستصبح يومًا جزءًا من الطريقة التي أفهم بها الناس وأتعامل معهم، كنت أضع هذا الاحتمال في ذهني عند كل موقف تقريبًا، وأحاول أن أرى ما حدث من الجهة الأخرى وأعتقد أن هذه اللحظة بالذات كانت تجعلني أتراجع كثيرًا عن أحكام متسرعة، وتمنحني قدرة على تفهّم أشياء ربما لم أكن لأتفهمها لو اكتفيت بالنظر من مكاني.
لكنني، مع الوقت، اكتشفت أن لهذه القدرة وجهًا آخر فكلما اتسعت المساحة التي أتركها للآخرين في داخلي، ازدحمت حياتي بمشاعرهم وحكاياتهم صرت أحمل من المشاعر ما لم أعشه، وأفكر في الأسباب التي ربما دفعت هذا إلى التصرف، وفي الألم الذي قد يكون أخفاه ذاك خلف صمته، وفي الحكايات التي لا أعرف عنها شيئًا، لكنني أترك لها في قلبي مكانًا حتى أصبحت أشعر أحيانًا أنني لا أعيش حياتي وحدها، بل أعيش معها شيئًا من حياة كل شخص أحاول فهمه، وأحمل في داخلي تفاصيل ومشاعر لم أعشها بنفسي، لكنها تؤثر فيّ كما لو أنها حدثت لي.
وهنا أدركت أن التعاطف، مهما كان جميلًا، يحتاج إلى شيء من التوازن ليس عليّ أن أحمل كل ألم أفهمه، ولا أن أجد لكل تصرف تفسيرًا يخفف وطأته عليّ، ولا أن أعيش حكاية كل إنسان حتى أثبت أنني أستطيع الشعور به، يكفيني أحيانًا أن أعترف بأنني لا أعرف حكايته كاملة، وأن ما أراه ليس إلا جزءًا صغيرًا من حياته، لا أعرف كيف تبدو من الداخل.
ربما لا نستطيع أن نتبادل أدوارنا فعلًا، وربما لن نعرف أبدًا كيف يكون الشعور حين نكون مكان شخص آخر بكل ما تعنيه الكلمة، لكننا نستطيع أن نتبادل الأدوار داخل عقولنا للحظات أن نؤجل أحكامنا قليلًا، وأن نمنح أسئلتنا فرصة لتسبق انفعالاتنا، وأن نتذكر أن لكل إنسان معركته التي قد لا تبدو لنا واضحة، وأننا لا نحتاج إلى معرفة كل التفاصيل حتى نختار ألّا نكون سببًا في زيادة ألمه.
ماذا لو فعلنا ذلك جميعًا؟ ماذا لو أصبح سؤال «ماذا لو كنت مكانه؟» جزءًا من أحاديثنا اليومية، ومن خلافاتنا، ومن الطريقة التي نتعامل بها مع الغرباء، وحتى مع الأشخاص الذين نختلف معهم؟ ماذا لو منحنا بعضنا بعضًا شيئًا من التمهّل قبل اللوم، ومن الرحمة قبل القسوة، ومن الفهم قبل الحكم؟
ألا يمكن أن تصبح الحياة عندها أكثر ألفة، وأكثر أمانًا، وأقل قسوة؟ ألا يمكن أن نختلف دون أن نجرح، وأن نعاتب دون أن نهين، وأن نرفض دون أن نقلل من قيمة بعضنا؟ ربما لن تختفي الأخطاء، ولن نتفق جميعًا، ولن نصبح قادرين على فهم كل شيء، لكن لعلنا نصبح أقل استعجالًا في إدانة بعضنا، وأكثر استعدادًا لأن نرى الإنسان خلف تصرفه.
لا أعرف لماذا لا نفعل ذلك بما يكفي، ربما لأننا منشغلون بحياتنا إلى الحد الذي يجعلنا ننسى أن الآخرين أيضًا يخوضون معاركهم الخاصة، ويحاولون تجاوز أشياء قد لا نعرف عنها شيئًا وربما لأن الحكم أسهل من الفهم، ولأننا نميل إلى تصديق ما نراه أكثر من استعدادنا لتخيّل ما لا نراه وربما لأننا نخشى، حين نقترب كثيرًا من حكايات الآخرين، أن نكتشف كم نشبههم، وكم أن الفارق بيننا وبينهم قد لا يكون أكبر من ظرف لم نمر به، أو خسارة لم نختبرها، أو قرار لم نُجبر على اتخاذه.
كل ما أعرفه أنني كلما كبرت، ازددت اقتناعًا بأننا لا نعرف عن بعضنا ما يكفي لنكون بهذه القسوة وأن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى من يسأله عمّا حدث له، بدلًا من أن يخبره بما كان ينبغي عليه فعله إلى من يمنحه فرصة ليشرح نفسه، بدلًا من أن يضع له تفسيرًا جاهزًا إلى من يراه إنسانًا كاملًا، لا مجرد موقف سيئ، أو كلمة جارحة، أو قرار لم يفهمه أحد.
وربما هذا ما أتمناه فعلًا؛ ليس عالمًا لا يخطئ فيه أحد، ولا عالمًا نتفق فيه على كل شيء، بل عالمًا لا نُدين فيه الإنسان قبل أن نمنح حكايته فرصة لأن تُفهم عالمًا نتذكر فيه أن الرحمة لا تعني أن نوافق على كل شيء، وأن التفهّم لا يعني أن نتنازل عن حدودنا، وأن بإمكاننا أن نفهم شخصًا دون أن نبرر أذاه، وأن نضع أنفسنا مكانه دون أن نفقد أنفسنا في مكانه.
فربما تكون الرحمة الحقيقية أن أضع نفسي مكانك لأفهمك، ثم أعود إلى نفسي دون أن أفقدها، أن أراك كما أنت، بكل ما لا أعرفه عنك، وأن أترك لك مساحة لأن تكون إنسانًا، لا حكاية اختصرتها أنا في لحظة.
ماذا لو فعلنا ذلك؟
ربما لن نغيّر العالم كله، لكننا قد نغيّر شيئًا في الطريقة التي يمر بها العالم من خلالنا وقد تكون هذه، في حد ذاتها، بداية كافية لحياة أكثر رحمة.