السماء هناك





ليست فراغًا مرتفعًا نرفع إليه رؤوسنا، ولا مساحةً زرقاء تمتدّ فوقنا بلا نهاية، لم أحبّ السماء يومًا لاتّساعها، بل لأنّ لي فيها حكايةً قديمة، بدأت في بيتنا، بيني وبين جدّي، وظلّت تكبر في داخلي كلّما كبرت، حتى غدت جزءًا منّي لا أعرف كيف أفصله عن الأشياء التي أحبّها
سألني جدّي ذات يوم: «من تكونين؟»
فأجبته بعفوية طفلةٍ لم تكن تعرف أنّ بعض الكلمات التي نقولها دون أن نفكّر فيها قد ترافقنا أعمارًا طويلة: «أنا ابنة السماء، وحين تضيق بي هذه الحياة يومًا ، سأصعد لأقيم بين الغيوم»
فضحك جدّي
ولعلّني لم أفهم يومها ما الذي جعل إجابتي تضحكه إلى ذلك الحدّ، لكنّني ما زلت أذكر ضحكته كما لو أنّها حدثت بالأمس، أذكرها لأنّ بعض اللحظات لا نعرف قيمتها حين نعيشها، ولأنّنا لا ندرك أنّ الأشياء الصغيرة التي تمرّ بنا في عفوية الأيام قد تصبح يومًا أثمن ما نملك
منذ ذلك اليوم، لم تعد السماء مجرّد سماء
كلّما رفعت رأسي إليها، وجدتني أعود إلى ذلك البيت، إلى جدّي جالسًا أمامي، وإلى نفسي الصغيرة وهي تجيبه بثقة من لم تعرف الحياة بعد، ولم تختبر ضيقها، ولم تتعلّم أنّ الإنسان قد يقول شيئًا في طفولته، ثم يمضي به عمره كلّه دون أن يعرف أنّه كان يترك في قلبه حكايةً سترافقه إلى آخر الطريق
كنت أظنّ أنّني، حين تضيق بي الحياة، سأصعد إلى السماء لأقيم بين الغيوم، لم أكن أعرف أنّني سأكبر، وأنّ الأشياء التي اعتدت وجودها ستتغيّر، وأنّ وجهًا كان جزءًا من أيّامي سيصبح يومًا ذكرى أبحث عنها في تفاصيل الحياة، وأنّ صوتًا ألفته إلى حدّ أنّني لم أفكّر يومًا في غيابه سيغدو صوتًا أتمنّى لو أنّني أستطيع سماعه مرّةً أخرى، ولو للحظة واحدة
ثم جاء يومٌ لم يعد فيه جدّي في مكانه المعتاد
لا أعرف متى بدأ البيت يبدو مختلفًا، ولا متى أدركت أنّ بعض الغياب لا يشبه الغياب الذي ننتظر بعده عودة أحدهم، غيابٌ لا يُبقي لنا سوى الأشياء التي تركها أصحابها خلفهم، والأماكن التي ما زالت تحفظ ملامحهم، والذكريات التي نعود إليها كلّما اشتدّ بنا الحنين، كأنّ العودة إليها قد تمنحنا، ولو للحظات، شيئًا ممّا أخذته الحياة منّا
منذ رحيله، لم يعد الحديث القديم مجرّد ذكرى جميلة أستعيدها بابتسامة، بل صار بابًا أعود منه إلى زمنٍ لم أكن أعرف أنّني سأفتقده بهذا القدر، صرت أتمنّى لو أنّني أستطيع الجلوس أمامه مرّةً أخرى، لا لأقول شيئًا مختلفًا، ولا لأخبره كم اشتقت إليه، بل لأعيش تلك اللحظة البسيطة كما كانت، أن يسألني من أكون، وأن أجيبه بالإجابة نفسها، وأن يضحك، دون أن أعرف هذه المرّة أنّني سأحمل ضحكته معي طويلًا، وأنّني سأحتاج إليها في أيّام لن يكون فيها قريبًا منّي
وما يؤلمني أنّني لم أكن أعرف أنّ تلك الجلسة العادية ستصبح يومًا من الأشياء التي أتمنّى العودة إليها أكثر من أيّ شيء آخر، لم أحفظ ملامحه كما ينبغي، لأنّني لم أكن أعرف أنّ الذاكرة قد تصبح يومًا المكان الوحيد الذي أستطيع فيه رؤيته، ولم أنصت إلى صوته كما أفعل الآن في خيالي، لأنّني كنت أظنّ أنّ أمامنا من الأحاديث ما يكفي، وأنّ الأيام ستمنحنا دائمًا فرصةً أخرى
لكنّ بعض الفرص لا تعود، وبعض الكلمات لا نعرف أنّها الأخيرة إلا بعد أن يصبح الرجوع مستحيلًا، وما يبقى لنا بعدها ليس ما تمنّينا لو قلناه فحسب، بل كلّ ما عشنا معه مطمئنّين إلى أنّه سيظلّ متاحًا لنا، صوتٌ اعتدناه، ووجهٌ ألفناه، وضحكةٌ لم نفكّر يومًا في أنّنا قد نشتاق إليها إلى هذا الحدّ
ولعلّ أكثر ما أخشاه الآن أن تخونني الذاكرة في الأشياء الصغيرة، أن أنسى يومًا كيف كان ينطق اسمي، أو أن تخفت نبرة صوته في داخلي، أو أن أحاول استحضار ضحكته فلا أجدها بالوضوح الذي أعرفه، أخشى أن تمضي السنوات حتى تصبح ملامحه أقلّ وضوحًا في ذاكرتي، مع أنّ مكانه في قلبي لا يتّسع للنسيان، وكأنّني أحاول، في كلّ مرّة أستعيده فيها، أن أحفظ شيئًا منه من الغياب، وأن أؤجّل اللحظة التي قد أحتاج فيها إلى إغماض عينيّ طويلًا لأتذكّر كيف كان
لهذا أميل إلى السماء دائمًا، وأرفع رأسي إليها كلّما ضاقت بي الحياة، كأنّني أبحث عن شيءٍ أعرفه جيّدًا، لكنّني لا أستطيع الوصول إليه، أحيانًا، لا أرى زرقتها بقدر ما أرى جدّي جالسًا أمامي في بيتنا القديم، أستعيد نبرة صوته وهو يسألني: «من تكونين؟»، وأتخيّل ملامحه وهو ينصت إلى إجابتي، ثم أترك لضحكته أن تملأ المسافة التي خلّفها غيابه
أبقى هناك قليلًا، بين ما أتذكّره وما أتمنّى لو أستطيع استعادته، وأشعر أنّ السماء لم تعد مجرّد المكان الذي كنت أحلم بالصعود إليه، بل أصبحت المكان الذي أعود إليه كلّما أردت الاقتراب من زمنٍ مضى، ومن بيتٍ لم يعد كما كان، ومن شخصٍ ما زلت أبحث عنه في الأشياء التي أحبّها
وربّما لهذا لم أعد أفكّر كثيرًا في الغيوم التي سأقيم بينها، ولا في المكان الذي سأذهب إليه حين تضيق بي الحياة، يكفيني أحيانًا أن أرفع رأسي، وأن أترك للذاكرة أن تعيد ترتيب المسافة بيني وبين ذلك اليوم، وأن أصدّق، ولو للحظات، أنّ بعض ما مضى لا يزال قريبًا منّا بطريقةٍ لا نفهمها، وأنّ الأماكن قد تحتفظ لنا بما عجزت أيدينا عن الاحتفاظ به، وأنّ الذكريات، مهما أوجعتنا، تظلّ طريقتنا الوحيدة للعودة إلى الذين لم يعد بإمكاننا الوصول إليهم. 
وربّما لهذا أطيل النظر إلى السماء. 

0 Comments