ها قد مرّ عامان كاملان، عامان يمران على التاريخ كرقمين عابرين، بينما يمران على قلبي كحكايةٍ ثقيلة لا نهاية لها، فاليوم هو اليوم ذاته الذي ذهبتَ فيه عنّا، التاريخ نفسه، والوجع ذاته، وكأن الزمن لم يكتفِ بسرقة حضورك مرة واحدة، بل قرّر أن يستعيدك مني كل عام بالطريقة نفسها، ليعلّمني أن بعض الغياب لا يصدأ، ولا يخفّ، ولا يتحوّل إلى ذكرى قابلة للاحتمال.
مرّ عامان ثقيلان على قلبي، لا كأيامٍ تمضي، بل كمسافات طويلة أقطعها وأنا أفتقدك في كل خطوة، مرّ عامان منذ ضحكتي الأخيرة معك، منذ آخر كوب قهوة تشاركناه بهدوءٍ يشبهك، منذ تلك اللحظة التي ودّعتك فيها وأنا أظن أن الغياب مؤقّت، وأنني سأغيب قليلًا ثم أعود إليك كما اعتدت، أعود إليك محمّلةً بالحكايات وبالشوق، لكنني عدت… وعدت وحدي، لم أجدك في المكان، ولا في الصوت، ولا في الوجوه، عدت وكأن العودة نفسها أصبحت بلا معنى منذ غيابك.
اليوم يا جدي يكتمل عامان على رحيلك، لكنهما لم يكونا عامين عاديين، كانا عمرًا آخر عشته دونك، كانا قرنين من الحزن الصامت، من الانتظار الطويل، من الليالي التي تبدأ ولا تنتهي، من الصباحات التي لا أعرف كيف أواجهها دون أن أبحث عنك في تفاصيلها، أشعر وكأن هذا اليوم لا يمرّ على قلبي كما كانت تمرّ الأيام حين كنت هنا، فالحزن أصبح يسكنني ببطء، يتوغّل في داخلي رويدًا رويدًا، حتى صار جزءًا من ملامحي ومن صوتي ومن صمتي.
ابتسامتي باتت باهتة، لا تشبهني، ضحكتي مُجهدة ومزيّفة، روحي متعبة حدّ أنني لم أعد أميّز نفسي فيها، والله يا جدي إنني أصبحت لا أعرفني، لا أعرف تلك الحفيدة التي كانت تحمل البهجة في داخلها دون جهد، التي كانت تحب الحياة لأنك كنت جزءًا منها، الشوق هذه المرة لم يمرّ على قلبي مرور الكرام، بل انكسر فيه وبكاه، جعلني هشّة إلى حدّ أن أبسط الأشياء أصبحت تثقلني، وكأن الفقد أعاد تشكيل روحي على هيئة تعب.
كأن تلك الشمس التي كانت تشعّ بداخلي قد انطفأت، وكأن الضوء الذي كنت أستمدّه منك اختفى دفعة واحدة، فهل تنطفئ الشمس يا جدي؟ أم أن بعض الغياب قادر على إطفاء ما ظننّاه خالدًا؟ أم أنني كنت أراك ضوءًا لأنك كنت أمانًا، وحين غاب الأمان خفت كل شيء؟
كل ما أريده الآن ساعة واحدة فقط، ساعة أترك فيها هذا العالم خلفي، وأرتمي بين أحضانك دون كلام، أراك كما كنت، أسمع ضحكتك كما كانت، حتى لو لمرة واحدة فقط، أريد أن أطمئن، أن أصدّق أنك كنت هنا فعلًا، فوالله إنني اشتقت لكل شيء، لوجودك، لصوتك، لصمتك، لتفاصيلك الصغيرة التي لم أكن أعلم أنها ستصبح أكبر خساراتي.
أفتقدك كثيرًا يا جدي، وأفتقدني معك، وأتساءل بوجعٍ لا إجابة له: هل فقد الأهل يخلّف كل هذا الألم؟ هل من الطبيعي أن يترك كل هذا الفراغ، وكل هذا التيه؟ كيف استطاع الآخرون أن يتجاوزوا هذا الفقد؟ وكيف تعلّموا العيش دون أن ينكسروا في كل ذكرى؟ وأين الطريق التي تعيدني إليّ بعدما بعثرتني الخسارة، وبعدما غيّبني الحزن عن نفسي؟
كنت حينها عاجزة عن تصديق كل ما حدث، وكنت أظن أن الصدمة ستمرّ، لكنني اكتشفت أن بعض الغياب لا يُشفى، بل يُعتاد عليه فقط، وما زلت إلى اليوم أرفض الإيمان بأنك رحلت حقًا، وكأن قلبي لا يزال ينتظرك في أبسط الأشياء، في رائحة القهوة، في صوت المطر، في لحظات الفرح التي لا تكتمل، ولذلك لم يكن غيابك بالأمر الهيّن، لأنك لم تكن غياب جدٍّ فحسب، بل كان غياب أب، وسند، وطمأنينة، وبيتٍ كامل رحل دفعة واحدة.